والثاني : - أجازه أبو البقاء - أن يكون
« مِنَ الْأَمْرِ »
هو الخبر ، و
« لَنا »
تبيين ، وبه تتمّ الفائدة كقوله :
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
« 1 » ، وهذا ليس بشيء ، لأنه إذا جعله للتبيين فحينئذ يتعلّق بمحذوف ، وإذا كان كذلك فيصير
« لَنا »
من جملة أخرى ، فتبقى الجملة من المبتدأ أو الخبر غير مستقلة بالفائدة ، وليس نظيرا لقوله :
« وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ »
فإن
« لَهُ »
فيها متعلّق بنفس
« كُفُواً »
لا بمحذوف ، وهو نظير : « لم يكن أحد قائلا لبكر » ف « لبكر » متعلق بنفس الخبر .
وهل هذا الاستفهام على حقيقته ؟ فيه وجهان :
أظهرهما : نعم ، ويعنون بالأمر : النصر والغلبة .
والثاني : أنه بمعنى النفي ، كأنهم قالوا : ليس لنا من الأمر - أي النصر - شيء ، وإليه ذهب قتادة وابن جريج ، ولكن يضعف هذا بقوله :
« قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ »
فإنّ من نفى عن نفسه شيئا لا يجاب بأن يثبت لغيره ، لأنه مقرّ بذلك ، اللهم إلا أن يقدّر جملة أخرى ثبوتية مع هذه الجملة فكأنهم قالوا : ليس لنا من الأمر شيء ، بل لمن أكرهنا على الخروج ، وحملنا عليه ، فحينئذ يحسن الجواب بقوله :
« قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ »
لقولهم هذا .
وهذه الجملة الجوابية اعتراض بين الجمل التي جاءت بعد قوله : « وطائفة » فإنّ قوله :
« يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ »
وكذا
« يَقُولُونَ »
الثانية : إمّا خبر عن
« طائِفَةً »
أو حال ممّا قبلها .
وقرأ الجماعة
« كُلَّهُ »
بالنصب ، وفيه وجهان :
أظهرهما : أنه تأكيد لاسم « إن » .
والثاني - حكاه مكي عن الأخفش - أنه بدل منه ، وليس بواضح . و
« لِلَّهِ
خبر
« إِنَّ »
. وقرأ أبو عمرو : « كلّه » رفعا وفيه وجهان :
أشهرهما : أنه رفع بالابتداء ، و
« لِلَّهِ »
خبره ، والجملة خبر
« إِنَّ »
نحو : « إنّ مال زيد كلّه عنده » .
والثاني : أنه توكيد على المحلّ ، ف
« إِنَّ »
اسمها في الأصل مرفوع بالابتداء ، وهذا مذهب الزجاج والجرميّ ، يجرون التوابع كلها مجرى عطف النسق ، فيكون
« لِلَّهِ »
خبرا ل
« إِنَّ »
أيضا . و
« يُخْفُونَ »
: إمّا خبر ل
« طائِفَةً »
أو حال ممّا قبله كما تقدم . وأما
« يَقُولُونَ »
فيحتمل هذين الوجهين ، ويحتمل أن يكون تفسيرا لقوله
« يُخْفُونَ »
فلا محلّ له حينئذ .
وقوله :
ما قُتِلْنا
جواب « لو » ، وجاء على الأفصح : فإنّ جوابها إذا كان منفيا ب « ما » فالأكثر عدم اللام ، وفي الإيجاب بالعكس . وقوله :
« لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ »
كقوله : « هل لنا من الأمر من شيء » وقد عرف الصحيح من الوجهين .
وقد أعرب الزمخشري هذه الجمل الواقعة بعد قوله :
« وَطائِفَةٌ »
إعرابا أفضى إلى خروج المبتدأ بلا خبر ، ولا بدّ من إيراد نصّه ليتبيّن ذلك ، قال رحمه اللّه : « فإن قلت كيف مواقع هذه الجمل التي بعد قوله :
« وَطائِفَةٌ »
؟ قلت :
« قَدْ أَهَمَّتْهُمْ »
صفة ل
« طائِفَةً »
و
« يَظُنُّونَ »
صفة أخرى أو حال ، بمعنى : قد أهمّتهم أنفسهم ظانّين ، أو استئناف على وجه البيان للجملة قبلها ، و
« يَقُولُونَ »
بدل من
« يَظُنُّونَ »
. فإن قلت : كيف صحّ أن يقع ما هو مسألة عن الأمر بدلا من الإخبار
هامش
( 1 ) سورة الإخلاص ، اية ( 4 ) .