أي : لا منار له فيهتدى به ، فالمعنى على نفي السلطان والإنزال معا . و
« سُلْطاناً »
مفعول ل « ينزّل » .
وقوله :
وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ
المخصوص بالذمّ محذوف أي : مثواهم ، أو النار . والمثوى : مفعل من ثويت أي : أقمت ، فلامه ياء ، وقدّم المأوى - وهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان - على المثوى - وهو مكان الإقامة ، لأنه على الترتيب الوجودي يأوي ثم يثوي ، ولا يلزم من المأوى الإقامة ، بخلاف عكسه .
قوله تعالى :
صَدَقَكُمُ :
« صدق » يتعدّى لاثنين ، أحدهما بنفسه والآخر بالحرف ، وقد يحذف كهذه الآية ، والتقدير : صدقكم في وعده كقولهم : « صدقته » الحديث ، و « في الحديث » . و
« إِذْ تَحُسُّونَهُمْ »
معمول ل
« صَدَقَكُمُ »
أي : صدقكم في ذلك الوقت ، وهو وقت حسّهم أي قتلهم . وأجاز أبو البقاء أن يكون معمولا للوعد في قوله :
« وَعْدَهُ »
، وفيه نظر لأنّ الوعد متقدم على هذا الوقت . يقال : « حسسته أحسّه » أي : قتلته . وقرأ أبو عبيد :
« تَحُسُّونَهُمْ »
رباعيا أي :
أذهبتم حسّهم بالقتل . و
« بِإِذْنِهِ »
متعلّق بمحذوف لأنه من فاعل
« تَحُسُّونَهُمْ »
أي : تقتلونهم مأذونا لكم في ذلك .
قوله :
حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ
في
« حَتَّى »
هذه قولان :
أحدهما : أنها حرف جر بمعنى « إلى » وفي متعلّقها حينئذ ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها متعلقة ب
« تَحُسُّونَهُمْ »
أي : تقتلونهم إلى هذا الوقت .
والثاني : أنها متعلقة ب
« صَدَقَكُمُ »
، وهو ظاهر قول الزمخشري قال : « ويجوز أن يكون المعنى : صدقكم اللّه وعده إلى وقت فشلكم » .
والثالث : أنها متعلقة بمحذوف دلّ عليه السياق ، قال أبو البقاء : « تقديره : دام لكم ذلك إلى وقت فشلكم » .
القول الثاني : أنها حرف ابتداء داخلة على الجملة الشرطية ، و
« إِذا »
على بابها من كونها شرطية ، وفي جوابها حينئذ ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه
« وَتَنازَعْتُمْ »
قال الفراء : « وتكون الواو زائدة » .
والثاني : أنه
« ثُمَّ صَرَفَكُمْ »
و
« ثُمَّ »
زائدة ، وهذان القولان ضعيفان جدا .
والثالث - وهو الصحيح - : أنه محذوف ، واختلفت عبارتهم في تقديره ، فقدّره ابن عطية : « انهزمتم » ، وقدّره الزمخشري : « منعكم نصره » ، وقدّره أبو البقاء : « بان لكم أمركم » ، ودل على ذلك قوله : « منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة » ، وقدّره غيره : « امتحنتم » ، وقدّره الشيخ « 1 » : « انقسمتم إلى قسمين ، ويدلّ عليه ما بعده ، وهو نظير :
فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ
« 2 » . قال الشيخ : « لا يقال كيف يقال : انقسمتم إلى مريد الدنيا وإلى مريد الآخرة فيمن فشل وتنازع وعصى ؛ لأنّ هذه الأفعال لم تصدر من كلّهم بل من بعضهم » .
واختلفوا في « إذا » هذه ، هل هي على بابها أم بمعنى « إذ » ؟ والصحيح الأول سواء قلنا إنها شرطية أم لا .
قوله :
ثُمَّ صَرَفَكُمْ
عطف على ما قبله ، والجملتان من قوله : « منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة » اعتراض بين المتعاطفين . وقال أبو البقاء :
« ثُمَّ صَرَفَكُمْ »
معطوف على الفعل المحذوف » يعني الذي قدّره جوابا
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 79 .
( 2 ) سورة لقمان ( 32 ) .