مجازي ، وقياسه أن يقرأ : « وإن يصبكم سيئة » بالتذكير أيضا ، ولا أحفظ عنه فيها شيئا .
قوله :
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
يحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفة ، أخبر تعالى بذلك ؛ لأنهم كانوا يخفون غيظهم ما أمكنهم ، فذكر ذلك لهم على سبيل الوعيد ، ويحتمل أن تكون من جملة المقول أي : قل لهم كذا وكذا فتكون في محل نصب بالقول . ومعنى قوله « بذات » أي : بالمضمرات ذوات الصدور ، ف « ذات » هنا تأنيث « ذي » بمعنى صاحب ، فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه أي : عليم بالمضمرات صاحبة الصدور ، وجعلت صاحبة للصدور لملازمتها لها وعدم انفكاكها عنها نحو : أصحاب الجنة ، أصحاب النار .
واختلفوا على الوقف على هذه اللفظة : هل يوقف عليها بالتاء أو بالهاء ؟ .
فقال الأخفش والفراء وابن كيسان : « الوقف عليها بالتاء اتباعا لرسم المصحف » . وقال الكسائيّ والجرميّ :
« يوقف عليها بالهاء لأنها تاء تأنيث ، كهي في « صاحبه » . وموافقة الرسم أولى ، فإنه قد ثبت لنا الوقف على تاء التأنيث الصريحة بالتاء ، فإذا وقفنا هنا بالتاء وافقنا تلك اللغة والرسم ، بخلاف عكسه .
قوله :
لا يَضُرُّكُمْ
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو : « يضركم » بكسر الضاد وجزم الراء على جواب الشرط من ضاره يضيره ، ويقال أيضا : ضاره يضوره ، ففي العين لغتان . ويقال : ضاره يضيره ضيرا فهو ضائر وهو مضير ، وضاره يضوره ضورا فهو ضائر وهو مضور ، نحو : قلته أقوله فأنا قائل وهو مقول .
وقرأ الباقون :
« يَضُرُّكُمْ »
بضم الضاد وتشديد الراء مرفوعة . وفي هذه القراءة أوجه :
أحدها : أن الفعل مرتفع وليس بجواب للشرط ، وإنما هو دالّ على جواب الشرط ، وذلك أنه على نية التقديم ، إذ التقدير : لا يضرّكم أن تصبروا وتتقوا فلا يضرّكم » ، فحذف « فلا يضركم » الذي هو الجواب لدلالة ما تقدم عليه ، ثم أخّر ما هو دليل على الجواب ، وهذا الذي ذكرته هو تخريج سيبويه « 1 » وأتباعه . وإنما احتاجوا إلى ارتكاب هذا الشطط لما رأوا من عدم الجزم في فعل مضارع لا مانع من إعمال الجازم فيه ، ومثل هذا قول الآخر :
1419 - يا أقرع بن حابس يا أقرع * إنّك إن يصرع أخوك تصرع « 2 »
برفع « تصرع » الأخير ، وكذلك قوله :
1420 - وإن أتاه خليل يوم مسألة * يقول لا غائب مالي ولا حرم « 3 »
برفع « يقول » إلّا أنّ هذا النوع مطّرد بخلاف ما قبله ، أعني كون فعلي الشرط والجزاء مضارعين فإنّ المنقول عن سيبويه « 4 » وأتباعه وجوب الجزم إلا في ضرورة كقوله : « إن يصرع أخوك تصرع » ، وتخريجه هذه الآية على ما ذكرته عنه يدل على أن ذلك لا يخصّ بالضرورة فاعلم ذلك .
الوجه الثاني : أنّ الفعل ارتفع لوقوعه بعد فاء مقدرة هي وما بعدها الجواب في الحقيقة ، والفعل متى وقع بعد
هامش
( 1 ) انظر الكتاب 1 / 236 .
( 2 ) تقدم .
( 3 ) تقدم .
( 4 ) انظر الكتاب 1 / 436 .