وقوله تعالى :
يُؤْمِنُونَ . .
إلى آخره : إمّا استئناف وإمّا أحوال ، وجيء بالجملة الأولى اسمية دلالة على الاستقرار ، وصدّرت بضمير ، وبني عليه جملة فعلية ليتكرّر الضمير فيزداد الكلام بتكراره توكيدا ، وجيء بالخبر مضارعا دلالة على تجدّد السجود في كلّ وقت ، وكذلك جيء بالجمل التي بعدها أفعالا مضارعة ، ويحتمل أن يكون « تؤمنون » خبرا ثانيا لقوله : « هم » ، ولذلك ترك العاطف ولو ذكر لكان جائزا . وقوله :
مِنَ الصَّالِحِينَ
يجوز في « من » أن تكون للتبعيض وهو الظاهر . وجعلها ابن عطية لبيان الجنس ، وفيه نظر ، إذ لم يتقدّم مبهم فتبيّنه هذه .
قوله تعالى :
وَما يَفْعَلُوا :
قرأ الأخوان وحفص :
« يَفْعَلُوا »
و
« يُكْفَرُوهُ »
بالغيبة ، والباقون بالخطاب ، فالغيبة مراعاة لقوله :
« مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ »
فجرى على لفظ الغيبة ، أخبرنا تعالى أنّ
« ما يَفْعَلُوا »
من خير بقي لهم غير مكفور . والخطاب على الرجوع إلى خطاب أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله : « كنتم » . ويجوز أن يكون التفاتا من الغيبة في قوله
« أُمَّةٌ قائِمَةٌ »
إلى آخره إلى خطابهم ، وذلك أنه آنسهم بهذا الخطاب ، ويؤيّد ذلك أنه اقتصر على ذكر الخير دون الشرّ ليزيد في التأنيس ، ويدلّ على ذلك قراءة الأخوين ، فإنها كالنص في أنّ المراد قوله
أُمَّةٌ قائِمَةٌ »
.
و « كفر » يتعدّى لواحد ، فكيف تعدّى هنا لاثنين ، أولهما قام مقام الفاعل ، والثاني : الهاء في
« يُكْفَرُوهُ »
؟ فقيل : إنه ضمّن معنى فعل يتعدّى لاثنين وهو « حرم » فكأنه قيل : فلن تحرموه ، و « حرم » يتعدّى لاثنين .
قوله تعالى :
مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ :
« ما »
يجوز أن تكون موصولة اسمية ، وعائدها محذوف لاستكمال الشروط أي :
ينفقونه .
وقوله :
كَمَثَلِ رِيحٍ
خبر المبتدأ ، وعلى هذا الظاهر - أعني تشبيه الشيء المنفق بالريح - استشكل التشبيه لأنّ المعنى على تشبيهه بالحرث - أي الزرع - لا بالريح . وقد أجيب عن ذلك بأحد أوجه :
الأول : أنه من باب التشبيه المركب ، بمعنى أنه يقابل الهيئة الاجتماعية بالهيئة الاجتماعية ، ولا يقابل الأفراد بالأفراد ، وهذا قد مر تحقيقه أول البقرة عند قوله تعالى :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ
« 1 » ، وهذا اختيار الزمخشري .
الثاني : أنه من باب التشبيه بين شيئين بشيئين ، فذكر أحد المشبّهين وترك ذكر الآخر ، وذكر أحد المشبهين به وترك ذكر الآخر ، فقد حذف من كلّ اثنين ما يدلّ عليه نظيره ، وقد مرّ نظير هذا في البقرة عند قوله تعالى :
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ
« 2 » .
واختار هذا ابن عطية ، وقال : « هذه غاية البلاغة والإعجاز » .
الثالث : أنه على حذف مضاف : إمّا من الأول تقديره : « مثل مهلك ما ينفقونه » ، وإمّا من الثاني تقديره : كمثل مهلك ريح . وهذا الثاني أظهر ؛ لأنه يؤدّي في الأول إلى تشبيه الشيء المنفق المهلك بالريح ، وليس المعنى عليه أيضا ، ففيه عود لما فرّ منه .
وقد ذكر الشيخ « 3 » التقدير المشار إليه ، ولم ينبّه عليه ، اللهم إلا أن يريد ب « مهلك » اسم مصدر أي : مثل إهلاك ما ينفقون ، ولكن يحتاج إلى تقدير مثل هذا المضاف أيضا قبل
« رِيحٍ »
تقديره : مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 18 ) .
( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 171 ) .
( 3 ) انظر البحر المحيط 3 / 37 .