وقرأ العامة :
« نَتْلُوها »
بنون العظمة وفيه التفات من الغيبة إلى التكلم . وقرأ أبو نهيك « يتلوها » بالياء من تحت ، وفيه احتمالان :
أحدهما : أن يكون الفاعل ضمير الباري تعالى لتقدّم ذكره في قوله
« آياتُ اللَّهِ »
ولا التفات في هذا التقدير بخلاف قراءة العامة .
والثاني : أن يكون الفاعل ضمير جبريل .
قوله :
لِلْعالَمِينَ
اللام زائدة لا تعلّق لها بشيء زيدت في مفعول المصدر وهو ظلم . والفاعل محذوف ، وهو في التقدير ضمير الباري تعالى ، والتقدير : وما اللّه يريد أن يظلم العالمين ، فزيدت اللام تقوية للعامل لكونه فرعا كقوله تعالى :
فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ
« 2 » وقيل : معنى الكلام : وما اللّه يريد ظلم العالمين بعضهم لبعض . وردّ هذا بأنه لو كان المراد هذا لكان التركيب ب « من » أولى منه باللام ، فكان يقال « ظلما من العالمين » فهذا معنى ينبو عنه اللفظ ، ونكّر
« ظُلْماً »
لأنه في سياق النفي ، فهو يعمّ كلّ نوع من الظلم .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 110 ]
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ ( 110 )
قوله تعالى :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ :
في « كان » هذه ستة أقوال :
أحدها : أنها ناقصة على بابها ، وإذا كانت كذلك فلا دلالة على مضيّ وانقطاع ، بل تصلح للانقطاع نحو : « كان زيد قائما » وتصلح للدوام نحو :
إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً
« 3 »
وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً
« 4 » ، فهي هنا بمنزلة « لم يزل » وهذا بحسب القرائن .
وقال الزمخشري : « كان » عبارة عن وجود الشيء في زمن ماض على سبيل الإبهام ، وليس فيه دليل على عدم سابق ولا على انقطاع طارىء ، ومنه قوله تعالى
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً *
وقوله :
« كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ »
كأنه قيل : وجدتم خير أمة » .
قال الشيخ « 5 » : قوله « لم تدلّ على عدم سابق » هذا إذا لم تكن بمعنى « صار » فإذا كانت بمعنى « صار » دلّت على عدم سابق ، فإذا قلت : « كان زيد عالما » بمعنى « صار زيد عالما » دلّت على أنه انتقل من حالة الجهل إلى حالة العلم ، وقوله : « ولا على انقطاع طارىء » قد ذكرنا قبل أن الصحيح أنها كسائر الأفعال يدلّ لفظ المضيّ منها على الانقطاع ، ثم قد تستعمل حيث لا انقطاع ، وفرق بين الدلالة والاستعمال ، ألا ترى أنك تقول : « هذا اللفظ يدلّ على العموم » ثم قد يستعمل حيث لا يراد العموم بل يراد الخصوص . وقوله : « كأنه قيل وجدتم خير أمة » هذا يعارض قوله : « إنها مثل قوله :
« وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً »
لأن تقديره « وجدتم خير أمة » يدلّ على أنها التامة وأن
« خَيْرَ أُمَّةٍ »
حال . وقوله :
« وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً »
لا شك أنها هنا الناقصة فتعارضا » قلت : لا تعارض لأنّ هذا تفسير معنى لا تفسير إعراب .
( 1 ) انظر البحر المحيط 3 / 27 .
هامش
( 2 ) سورة هود ، آية ( 107 ) .
( 3 ) سورة النساء ، آية ( 16 ) .
( 4 ) سورة الإسراء ، آية ( 32 ) .
( 5 ) انظر البحر المحيط 3 / 28 .