والواو وثم إذا دخلت عليها الهمزة أصلهنّ التقديم على الهمزة ، لكن اعتني بالاستفهام فقدّم على حرف العطف ، كما ذهب إليه سيبويه « 1 » وغيره من النحويين . وقد رجع الزمخشري إلى مذهب الجماعة في ذلك ، وبطلان قوله الأول مذكور في النحو ، وقد تقدم في هذا الكتاب حكاية مذهب الجماعة في ذلك ، وعلى تقدير قول هذا الرجل « أهملتكم » فلا بد من إضمار القول وتقديره : فيقال أأهملتكم ، لأنّ هذا المقدّر هو خبر المبتدأ ، والفاء جواب أمّا ، وهو الذي يدل عليه الكلام ويقتضيه ضرورة ، وقول هذا الرجل : « فوقع ذلك جوابا له ولقوله : أكفرتم » يعني أنّ
« فَذُوقُوا الْعَذابَ »
جواب ل « أمّا » ولقوله :
« أَ كَفَرْتُمْ »
والاستفهام هنا لا جواب له إنما هو استفهام على طريق التوبيخ والإرذال بهم . وأمّا قول هذا الرجل : « ومن نظم العرب إلى آخره » فليس كلام العرب على ما زعم بل يجعل لكلّ جواب ، إن لا يكن ظاهرا فمقدر ، ولا يجعلون لهما جوابا واحدا . وأما دعواه ذلك في قوله تعالى :
« فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً »
الآية وزعمه أنّ قوله تعالى :
« فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ »
جواب للشرطين فقول روي عن الكسائي ، وزعم بعض الناس أنّ جواب الشرط الأول محذوف تقديره :
فاتبعوه ، والصحيح أنّ الشرط الثاني وجوابه جواب الشرط الأول ، وتقدّمت هذه الأقوال الثلاثة عند قوله تعالى :
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً
انتهى .
وقوله :
أَ كَفَرْتُمْ
الهمزة فيه للإنكار عليهم والتوبيخ لهم والتعجيب من حالهم ، وفي قوله :
« أَ كَفَرْتُمْ »
نوع من الالتفات وهو المسمّى عند علماء البيان بتلوين الخطاب ، وذلك أنّ قوله :
فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ
في حكم الغيبة ، وقوله بعد ذلك :
أَ كَفَرْتُمْ
خطاب مواجهة .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 107 إلى 109 ]
وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 107 ) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ ( 108 ) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 109 )
قوله تعالى :
فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ :
فيه وجهان :
أحدهما : أنّ الجار متعلّق بخالدون . و
« فِيها »
تأكيد لفظي للحروف ، والتقدير : فهم خالدون في رحمة اللّه فيها ، وقد تقرّر أنه لا يؤكّد الحرف تأكيدا لفظيا إلا بإعادة ما دخل عليه أو بإعادة ضميره كهذه الآية ، ولا يجوز أن يعود وحده إلا في ضرورة كقوله :
1388 - حتّى [ تراها ] وكأنّ وكأن * أعناقها مشدّدات بقرن « 2 »
كذا ينشدون هذا البيت ، وأصرح منه في الباب :
1389 - فلا واللّه لا يلفى لما بي * ولا للما بهم أبدا دواء « 3 »
ويحسن ذلك إذا اختلف لفظهما كقوله :
هامش
( 1 ) انظر الكتاب 1 / 491 .
( 2 ) البيت للأغلب العجلي وينسب لخطام المجاشعي انظر الهمع 2 / 125 ، الدرر 2 / 160 ، العيني 4 / 100 .
( 3 ) البيت لمسلم بن معبد الوالبي ، انظر الانصاف 571 ، المقرب 1 / 238 ، شواهد المغني ( 505 ) ، الدرر 2 / 15 ، رصف المباني ( 202 ) ، معاني الفراء 1 / 68 .