الثاني : أن اللام للتعليل ، وهذا الذي ينبغي ألّا يحاد عنه وهي متعلقة ب
« لَتُؤْمِنُنَّ »
، و « ما » حينئذ مصدرية ، قال الزمخشري : « ومعناه لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة ، ثم لمجيء رسول مصدّق لتؤمننّ به ، على أنّ « ما » مصدرية ، والفعلان معها أعني : « آتيناكم » « 1 » و
« جاءَكُمْ »
في معنى المصدرين ، واللام داخلة للتعليل ، والمعنى : أخذ اللّه ميثاقهم لتؤمننّ بالرسول ولتنصرنّه لأجل أن آتيتكم الحكمة ، وأنّ الرسول الذي أمركم بالإيمان ونصرته موافق لكم غير مخالف .
قال الشيخ « 2 » : « ظاهر هذا التعليل الذي ذكره والتقدير الذي قدره أنه تعليل للفعل المقسم عليه ، فإن عنى هذا الظاهر فهو مخالف لظاهر الآية ، لأنّ ظاهر الآية يقتضي أن يكون تعليلا لأخذ الميثاق لا لمتعلّقه وهو الإيمان ، فاللام متعلقة بأخذ ، وعلى ظاهر تقدير الزمخشري تكون متعلقة بقوله :
« لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ »
، ويمتنع ذلك من حيث إنّ اللام المتلقّى بها القسم لا يعمل ما بعدها فيما قبلها ، تقول : واللّه لأضربنّ زيدا ، ولا يجوز : واللّه زيدا لأضربنّ ، فعلى هذا لا يجوز أن تتعلق اللام في « لما » بقوله :
« لَتُؤْمِنُنَّ »
. وقد أجاز بعض النحويين في معمول الجواب - إذا كان ظرفا أو مجرورا - تقدّمه ، وجعل من ذلك :
1356 - . . . * . . . عوض لا نتفرّق « 3 »
وقوله تعالى :
عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ
« 4 » فعلى هذا يحوز أن تتعلق بقوله :
« لَتُؤْمِنُنَّ »
وفي هذه المسألة تفصيل يذكر في علم النحو ، قلت : أمّا تعلّق اللام بلتؤمننّ من حيث المعنى فإنّه أظهر من تعلّقها بأخذ ، وهو واضح فلم يبق إلّا ما ذكر من منع تقديم معمول الجواب المقترن باللام عليه وقد عرف ، وقد يكون الزمخشري ممّن يرى جوازه .
والثالث : أن تتعلّق اللام بأخذ أي : لأجل إيتائي إياكم كيت وكيت أخذت عليكم الميثاق ، وفي الكلام حذف مضاف تقديره : لرعاية ما آتيتكم .
الرابع : أن تتعلّق بالميثاق لأنه مصدر ، أي توثّقنا عليهم لذلك . هذه الأوجه بالنسبة إلى اللام ، وأمّا « ما » ففيها ثلاثة أوجه :
أحدها : أن تكون مصدرية وقد تقدّم تحريره عند الزمخشري .
والثاني : أنها موصولة بمعنى الذي وعائدها محذوف و
« ثُمَّ جاءَكُمْ »
عطف على الصلة ، والرابط لها بالموصول :
إمّا محذوف تقديره : « به » وهو رأي سيبويه « 5 » ، وإمّا لقيام الظاهر مقام المضمر وهو رأي الأخفش ، وأمّا ضمير الاستقرار الذي تضمّنه
« مَعَكُمْ »
وقد تقدّم تحقيق ذلك .
والثالث : أنها نكرة موصوفة ، والجملة بعدها صفتها وعائدها محذوف ، و
« ثُمَّ جاءَكُمْ »
عطف على الصفة ، والكلام في الرابط كما تقدّم فيها وهي صلة ، إلّا أنّ إقامة الظاهر مقام الضمير في الصفة ممتنع ، لو قلت : « مررت برجل
هامش
( 1 ) هي قراءة نافع .
( 2 ) انظر البحر المحيط 2 / 512 .
( 3 ) جزء بيت للأعشى وهو بتمامه :رضيعي لبان ثدي أمّ تحالفا * بأسحم داج عوض لا نتفرّقانظر ديوانه ( 225 ) ، الخصائص 1 / 265 ، ابن يعيش 4 / 107 ، الهمع 1 / 213 ، الانصاف ( 401 ) ، الخزانة 3 / 209 .
( 4 ) سورة المؤمنون ، آية ( 40 ) .
( 5 ) انظر الكتاب 1 / 455 .