على
« يُؤْتِيَهُ »
، وهذا العطف لازم من حيث المعنى ، إذ لو سكت عنه لم يصحّ المعنى ، لأنّ اللّه تعالى قد أتى كثيرا من البشر الكتاب والحكم والنبوة ، وهذا كما يقولون في بعض الأحوال والمفاعيل : إنها لازمة ، فلا غرو أيضا في لزوم المعطوف ، وإنما بيّنت لك هذا لأجل قراءة سأذكرها . ومعنى مجيء هذا النفي في كلام العرب نحو : « ما كان لزيد أن يفعل » ونحوه نفي الكون والمراد نفي خبره ، وهو على قسمين : قسم يكون النفي فيه من جهة العقل ، ويعبّر عنه بالنفي نحو هذه الآية ، لأنّ اللّه تعالى لا يعطي الكتاب والحكم والنبوة لمن يقول هذه المقالة الشنعاء ، ونحوه :
ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها
« 1 »
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
« 2 » ، وقسم يكون النفي فيه على سبيل الانتفاء كقول أبي بكر رضي اللّه عنه « ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدّم فيصلي بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » ، ويعرف القسمان من السياق .
وقرأ العامة :
« يَقُولَ »
بالنصب نسقا على
« يُؤْتِيَهُ »
، وقرأ ابن كثير في رواية شبل بن عباد ، « 3 » وأبو عمرو في رواية محبوب « 4 » :
« يَقُولَ »
بالرفع ، وخرّجوها على القطع والاستئناف ، وهو مشكل لما قدّمته من أن المعنى على لزوم ذكر هذا المعطوف ، إذ لا يستقلّ ما قبله لفساد المعنى فكيف يقولون على القطع والاستئناف ؟
قوله :
عِباداً
وقال ابن عطية : « ومن جموعه عبيد وعبدّى . قال بعض اللغويين : هذه الجموع كلها بمعنى ، وقال بعضهم : العباد للّه ، والعبيد والعبدّى للبشر ، وقال بعضهم : العبدّى أنما يقال في العبد من العبيد كأنه مبالغة تقتضي الإغراق في العبودية ، والذي استقربت في لفظ العباد أنه جمع « عبد » متى سيقت اللفظة في مضمار الترفّع والدلالة على الطاعة دون أن يقترن بها معنى التحقير وتصغير الشأن ، وانظر قوله :
وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ
« 5 » و
عِبادٌ مُكْرَمُونَ
« 6 » و
يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ
« 7 » ، وقول عيسى في معنى الشفاعة والتعريض :
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ
« 8 » ، وأمّا العبيد فيستعمل في تحقيره ، ومنه قول امرئ القيس :
1352 - قولا لدودان عبيد العصا * ما غرّكم بالأسد الباسل « 9 »
وقال حمزة بن عبد المطلب : « وهل أنتم إلا عبيد لأبي » ، ومنه :
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
« 10 » لأنه مكان تشفيق وإعلام بقلة انتصارهم ومقدرتهم ، وأنه تعالى ليس بظلام لهم مع ذلك ، ولما كانت لفظة العباد تقتضي الطاعة لم تقع هنا ، ولذلك أنس بها في قوله تعالى :
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ
« 11 » فهذا النوع من النظر يسلك بك سبيل العجائب في فصاحة القرآن العزيز على الطريقة العربية » .
قال الشيخ « 12 » : « وفيه بعض مناقشة أمّا قوله : ومن جموعه عبيد وعبدّى » فأمّا « عبيد » فالأصحّ أنه جمع . وقيل :
اسم جمع ، وأما عبدّى فاسم جمع ، وألفه للتأنيث » قلت : لا مناقشة ، فإنه إنما يعني جمعا معنويا ولا شك أنّ اسم
هامش
( 1 ) سورة النمل ، آية ( 60 ) .
( 2 ) سورة آل عمران ، آية ( 145 ) .
( 3 ) شبل بن عباد أبو داود المكي مقرىء مكة ثقة ضابط وهو أحد أصحاب ابن كثير توفي سنة 160 ه انظر غاية النهاية 1 / 323 .
( 4 ) محمد بن الحسن بن إسماعيل بن الحسن أبو خضر القواريري البصري يعرف بمحبوب روى القراءة عن إسماعيل بن مسلم المكي صاحب ابن كثير انظر غاية النهاية 2 / 115 .
( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 207 ) .
( 6 ) سورة الأنبياء ، آية ( 26 ) .
( 7 ) سورة الزمر ، آية ( 53 ) .
( 8 ) سورة المائدة ، آية ( 118 ) .
( 9 ) انظر ديوانه ( 119 ) ، ابن الشجري 1 / 264 .
( 10 ) سورة فصلت ، آية ( 46 ) .
( 11 ) سورة الزمر ، آية ( 53 ) .
( 12 ) انظر البحر المحيط 2 / 505 .