تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
الجمع جمع معنوي . ثم قال : « وأمّا ما استقراه من أنّ
« عِباداً »
يساق في معنى الترفع والدلالة على الطاعة دون أن يقترن بها معنى التحقير والتصغير وإيراده ألفاظا في القرآن بلفظ العباد ، وأمّا قوله « وأمّا العبيد فيستعمل في تحقير وأنشد بيت امرئ القيس وقول حمزة « وهل أنتم إلا عبيد أبي » وقوله تعالى :
« وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ »
فاستقراء ليس بصحيح ، وإنما كثر استعمال « عباد » دون « عبيد » لأنّ فعالا في جمع فعل غير اليائي العين قياسيّ مطرد ، وجمع فعل على فعيل لا يطّرد . قال سيبويه : « وربما جاء فعيلا وهو قليل نحو : الكليب والعبيد » فلما كان فعال مقيسا في جمع « عبد » جاء « عباد » كثيرا . وأما
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
فحسّن مجيئه هنا - وإن لم يكن مقيسا - أنه جاء لتواخي الفواصل ، ألا ترى أنّ قلبه
أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
« 1 » وبعده
قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ
فحسّن مجيئه بلفظ العبيد مؤاخاة هاتين الفاصلتين ، ونظير هذا في سورة ق :
وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
« 2 » لأن قبله :
وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ
وبعده
وَتَقُولُ : هَلْ مِنْ مَزِيدٍ .
وأمّا مدلوله فمدلول « عباد » سواء . وأمّا بيت امرئ القيس فلم يفهم التحقير من لفظ « عبيد » إنما فهم من إضافتهم إلى العصا ومن مجموع البيت ، وكذلك قول حمزة : « هل أنتم إلا عبيد أبي » إنما فهم التحقير من قرينة الحال التي كان عليها ، وأتى في البيت وفي قول حمزة على أحد الجائزين » . قلت : ردّه عليه استقراءه من غير إتيانه بما يخرم الاستقراء مردود . وأمّا ادّعاؤه أن التحقير مفهوم من السياق دون لفظ عبيد فممنوع ، ولأنه إذا دار إحالة الحكم بين اللفظ وغيره فالإحالة على اللفظ أولى . وقوله :
لِي
صفة لعباد ، و
« مِنْ دُونِ »
متعلّق بلفظ « عباد » لما فيه من معنى الفعل ، ويجوز أن يكون صفة ثانية وأن يكون حالا لتخصّص النكرة بالوصف . قوله :
وَلكِنْ كُونُوا
أي : ولكن يقول كونوا ، فلا بدّ من إضمار القول هنا . والربّانيّون جمع ربّانيّ ، وفيه قولان : أحدهما أنه منسوب إلى الرّبّ ، والألف والنون فيه زائدتان في النسب دلالة على المبالغة كرقباني وشعراني ولحياني للغليظ الرقبة والكثير الشعر والطويل اللحية ، ولا تفرد هذه الزيادة عن النسب ، أمّا إذا نسبوا إلى الرقبة والشعر واللحية من غير مبالغة قالوا : رقبي وشعري ولحوي ، هذا معنى قول سيبويه « 3 » . والثاني : أنه منسوب إلى ربّان والربّان هو المعلّم للخير ومن يسوس الناس ويعرّفهم أمر دينهم ، فالألف والنون دالّتان على زيادة الوصف كهي في عطشان وريّان وجوعان ووسنان ، وتكون النسبة على هذا في الوصف نحو أحمريّ ، قال :
1353 - أطربا وأنت قنّسريّ * والدّهر بالإنسان دوّاريّ « 4 »
وقال سيبويه : « زادوا ألفا ونونا في الرّباني أرادوا تخصيصا بعلم الرب دون غيره من العلوم ، وهذا كما قالوا :
هامش
( 1 ) سورة فصلت ، آية ( 44 ) ، وليست هذه الآية قبلها على ما أفهم كلمة إنما قبله قوله تعالى :وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ .( 2 ) سورة ق ، آية ( 29 ) . ( 3 ) انظر الكتاب 2 / 89 . ( 4 ) البيت للعجاج انظر ديوانه ( 1 / 480 ) ، الكتاب ( 1 / 238 ) ، المنصف ( 2 / 179 ) ، المحتسب ( 1 / 310 ) ، المخصص ( 1 / 45 ) ، ابن الشجري ( 1 / 162 ) ، الدرر ( 1 / 165 ) ، الهمع ( 1 / 192 ) ، ابن يعيش ( 3 / 139 ) ، المغني ( 1 / 18 ) ، الأشموني ( 4 / 203 ) ، الخزانة ( 11 / 274 ) .