ويكون المفعولان محذوفين لفهم المعنى ، والتقدير تدرّسون غيركم العلم أي : تحملونهم على الدّرس . وقرىء « تدرسون » « 1 » من أدرس ، كتكرمون من أكرم على أنّ أفعل بمعنى فعّل بالتشديد ، فأدرس ودرّس واحد كأكرم وكرّم وأنزل ونزّل .
والدّرس : التّكرار والإدمان على الشيء ومنه : درس زيد الكتاب والقرآن يدرسه ويدرسه أي كرّر عليه ، ويقال :
درست الكتاب أي : تناولت أثره بالحفظ . ولمّا كان ذلك بمداومة القرآن عبّر عن إدامة القرآن بالدّرس ، ودرس المنزل :
ذهب أثره وطلل عاف ودارس بمعنى .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 80 ]
وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 80 )
قوله تعالى :
وَلا يَأْمُرَكُمْ :
وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بنصب
« يَأْمُرَكُمْ »
والباقون بالرفع ، وأبو عمرو على أصله من جواز تسكين الراء والاختلاس ، وهي قراءة واضحة سهلة التخريج والمعنى ، وذلك أنها على القطع والاستئناف ، أخبر تعالى بأن ذلك الأمر لا يقع . والفاعل فيه احتمالان :
أحدهما : وهو ضمير اللّه تعالى .
والثاني هو ضمير « بشر » الموصوف بما تقدّم ، والمعنى على عوده على « بشر » أنه لا يقع من بشر موصوف بما وصف به أن يجعل نفسه ربا فيعبد ، ولا يأمر أيضا أن تعبد الملائكة والأنبياء من دون اللّه ، فانتفى أن يدعو الناس إلى عبادة نفسه وإلى عبادة غيره . والمعنى على عوده على اللّه تعالى أنه أخبر أنه لم يأمر بذلك فانتفى أمر اللّه وأمر أنبيائه بعبادة غيره تعالى .
وأمّا قراءة النصب ففيها أوجه :
أحدها : قول أبي علي وغيره ، وهو أن يكون المعنى : ولا له أن يأمركم ، فقدّروا
« أَنْ »
تضمر بعد
« لا »
وتكون
« لا »
مؤكّدة لمعنى النفي السابق كما تقول : « ما كان من زيد إتيان ولا قيام » وأنت تريد انتفاء كلّ واحد منهما عن زيد ، فلا للتوكيد لمعنى النفي السابق ، وبقي معنى الكلام : ما كان من زيد إتيان ولا منه قيام .
الثاني : أن يكون نصبه لنسقه على « يؤتيه » قال سيبويه « 2 » : « والمعنى : وما كان لبشر أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة » . قال الواحدي : « ويقوّي هذا الوجه ما ذكرنا أن اليهود قالت للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أتريد يا محمد أن نتّخذك ربا فنزلت »
الثالث : أن يكون معطوفا على « يقول » في قراءة العامة قاله الطبري : قال ابن عطية : « وهذا خطأ لا يلتئم به المعنى » ولم يبيّن أبو محمد وجه الخطأ ولا عدم التئام المعنى .
قال الشيخ « 3 » : « وجهة الخطأ أنه إذا كان معطوفا على « يقول » وجعل
« لا »
للنفي على سبيل التأسيس لا على سبيل التأكيد فلا يمكن أن يقدّر الناصب وهو
« أَنْ »
إلا قبل
« لا »
النافية ، وإذا قدّرها قبلها انسبك منها ومن الفعل المنتفي ب « لا » مصدر منفيّ ، فيصير المعنى : ما كان لبشر موصوف بما وصف به انتفاء أمره باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا ، وإذا لم يكن
هامش
( 1 ) وهي قراءة أبي حيوة كما ورد في تفسير القرطبي 4 / 123 .
( 2 ) انظر الكتاب 1 / 430 .
( 3 ) انظر البحر المحيط 2 / 507 .