تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
وقد عزاها صاحب « الكشاف » إلى عبد اللّه قال : « وقرأ عبد اللّه : « فأنفخها وأنشد : « كالهبرقيّ تنحّى » . قوله :
« فَيَكُونُ »
في « يكون » وجهان : أحدهما : أنها تامة أي : فيوجد ويكون
« طَيْراً »
على هذا حالا . والثاني : أنها الناقصة و
« طَيْراً »
خبرها ، وهذا هو الذي ينبغي أن يكون ، لأنّ في وقوع اسم الجنس حالا بعدا محوجا إلى تأويل ، وإنما يظهر ذلك على قراءة نافع : « طائرا » لأنه حينئذ اسم مشتقّ ، وإذا قيل بنقصانها فيجوز أن تكون على بابها ويجوز أن تكون بمعنى صار الناقصة كقوله :
1305 - بتيهاء قطر والمضيّ كأنها * قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها « 1 »
أي : صارت ، وقال أبو البقاء :
« فَيَكُونُ »
أي : يصير ، فيجوز أن تكون « كان » هنا التامة لأنّ معناها « صار » ، وصار بمعنى انتقل ، ويجوز أن تكون الناقصة ، و « طائرا » على الأول حال وعلى الثاني خبر » . قلت : لا حاجة إلى جعله إياها في حال تمامها بمعنى « صار » التامة التي معناها معنى انتقل ، بل النحويون إنما يقدّرون التامة بمعنى حدث ووجد وحصل وشبهها ، وإذا جعلوها بمعنى « صار » فإنما يعنون صار الناقصة . وقرأ نافع ويعقوب : « فيكون طائرا » هنا وفي المائدة « 2 » ، والباقون :
« طَيْراً »
في الموضعين . فأمّا قراءة نافع فوجّهها بعضهم بأنّ المعنى على التوحيد ، والتقدير : فيكون ما أنفخ فيه طائرا ، ولا يعترض عليه بأنّ الرسم الكريم إنما هو « طير » دون ألف ، لأنّ الرسم يجوّز حذف مثل هذه الألف تخفيفا ، ويدلّ على ذلك أنه رسم قوله تعالى :
وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ
« 3 » . « ولا طير » دون ألف ، ولم يقرأه أحد إلا « طائر » بالألف ، فالرسم محتمل لا مناف . وقال بعضهم كالشارح لما قدّمته : « ذهب نافع إلى نوع واحد من الطير لأنه لم يخلق غير الخفاش » . وزعم آخرون أنّ معنى قراءته : يكون كلّ واحد مما أنفخ فيه طائرا ، قال : كقوله تعالى :
فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً
« 4 » أي : اجلدوا كلّ واحد منهم ، وهو كثير في كلامهم . وأمّا قراءة الباقين فمعناها يحتمل أن يراد به اسم الجنس ، أي : جنس الطير ، فيحتمل أن يراد به الواحد فما فوقه ، ويحتمل أن يراد به الجمع ، ولا سيما عند من يرى أنّ
« طَيْراً »
صيغته جمع نحو : ركب وصحب وتجر جمع راكب وصاحب وتاجر وهو الأخفش ، وأمّا سيبويه فهي عنده أسماء جموع لا جموع صريحة ، وقد تقدّم لنا الكلام على ذلك في البقرة . وحسّن قراءة الجماعة موافقته لما قبله في قوله :
« مِنَ الطَّيْرِ »
ولموافقة الرسم لفظا ومعنى . قوله :
بِإِذْنِ اللَّهِ
يجوز أن يتعلّق ب « طائرا » وهذا على قراءة نافع ، وأما على قراءة غيره فلا يتعلق به ، لأنّ طيرا اسم جنس فيتعلّق بمحذوف على أنه صفة لطير ، أي : طيرا ملتبسا بإذن اللّه أي : بتمكينه وإقراره . وقال أبو البقاء : « متعلّق بيكون » ، وهذا إنّما يظهر إذا جعل « كان » تامة ، وأما إذا جعلها ناقصة ففي تعلّق الظرف بها الخلاف المشهور . قوله :
وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ
وأبرىء عطف على
« أَخْلُقُ »
فهو داخل في حيّز
« أَنِّي »
، ويقال : أبرأت زيدا من العاهة
هامش
( 1 ) تقدم . ( 2 ) آية ( 110 ) . ( 3 ) سورة الأنعام ، آية ( 38 ) . ( 4 ) انظر الكتاب 2 / 203 .
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 106 | أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي ) / علي محمد معوض / عادل أحمد عبد الموجود / جاد مخلوف جاد / زكريا عبد المجيد النوتي / أحمد محمد صيرة