الشيخين : الخليل والكسائي .
والثاني : أن موضعها نصب ، وفيه ثلاثة أوجه :
الأول : أنه نصب بعد إسقاط الخافض ، وهو الباء ، وهذا مذهب التلميذين : سيبويه « 1 » والفراء .
الثاني : أنه منصوب بفعل مقدر أي : يذكر أني ، فيذكر صفة لرسولا ، حذفت الصفة وبقي معمولها .
الثالث : أنه منصوب على البدل من
« رَسُولًا »
أي : إذا جعلته مصدرا مفعولا به ، تقديره : ويعلّمه الكتاب ويعلّمه أني قد جئتكم ، جوّزه أبو البقاء وهو بعيد في المعنى .
الثالث من الأوجه الأول : أنّ موضعه رفع على خبر مبتدإ محذوف أي : هو أني قد جئتكم .
وقرأ بعض القرّاء بكسر هذه الهمزة وفيها تأويلان :
أحدهما : أنها على إضمار القول أي : قائلا إني قد جئتكم ، فحذف القول الذي هو حال في المعنى وأبقى معموله .
والثاني : أن
« رَسُولًا »
بمعنى ناطق ، فهو مضمّن معنى القول ، وما كان مضمّنا معنى « القول » أعطي حكم القول ، وهذا مذهب الكوفيين .
وقوله :
بِآيَةٍ
يحتمل أن تكون متعلقة بمحذوف على أنها حال من فاعل
« جِئْتُكُمْ »
أي : جئتكم ملتبسا بآية .
والثاني : أنها متعلقة بنفس المجيء أي : إجاءتكم الآية . وقوله :
« مِنْ رَبِّكُمْ »
صفة لآية فيتعلّق بمحذوف أي : بآية من عند ربكم ، ف
« مِنْ »
للابتداء مجازا ، ويجوز أن يتعلّق
« مِنْ رَبِّكُمْ »
بنفس المجيء أيضا . وقدّر أبو البقاء الحال في قوله
« بِآيَةٍ »
بقوله : محتجّا بآية ، إن عنى من جهة المعنى صحّ ، وإن عنى من جهة الصناعة لم يصحّ ، إذ لم يضمر في هذه الأماكن إلا الأكوان المطلقة .
وقرأ الجمهور :
« بِآيَةٍ »
بالإفراد في الموضعين ، وابن مسعود : « بآيات » جمعا في الموضعين .
قوله :
أَنِّي أَخْلُقُ
قرأ نافع بكسر الهمزة ، والباقون بفتحها . فالكسر من ثلاثة أوجه :
الأول : على إضمار القول أي : فقلت : إني أخلق .
الثاني : أنه على الاستئناف .
الثالث : على التفسير ، فسّر بهذه الجملة قوله :
« بِآيَةٍ »
كأنّ قائلا قال : وما الآية ؟ فقال هذا الكلام ، ونظيره ما سيأتي :
« إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ »
ثم قال :
« خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ »
« 2 » فخلقه مفسرة للمثل ، ونظيره أيضا قوله تعالى :
« وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ »
ثم فسّر الوعد بقوله :
« لَهُمْ مَغْفِرَةٌ »
« 3 » ، وهذا الوجه هو الوجه الصائر إلى الاستئناف ، فإنّ المستأنف يؤتى به تفسيرا لما قبله ، إلا أنّ الفرق بينه وبين ما قبله أنّ الوجه الذي قبله لا تجعل له تعلّقا بما تقدّم البتة ، بل جيء به لمجرد الإخبار بما تضمّنه ، والوجه الثالث تقول : إنه متعلّق بما تقدّمه ، مفسّر له .
هامش
( 1 ) انظر الكتاب 1 / 17 .
( 2 ) سورة آل عمران ، آية ( 59 ) .
( 3 ) سورة المائدة ، آية ( 9 ) .