الثاني : أن يكون نسقا على
« كَهْلًا »
الذي هو حال من الضمير المستتر في
« وَيُكَلِّمُ »
أي : يكلّم الناس طفلا وكهلا ومرسلا إلى بني إسرائيل ، جوّز ذلك ابن عطية . واستبعده الشيخ « 1 » لطول الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه .
قلت : ويظهر أن ذلك لا يجوز من حيث المعنى ، إذ يصير التقدير : يكلّم الناس في حال كونه رسولا إليهم ، وهو إنما صار رسولا بعد ذلك بأزمنة ، فإن قيل : هي حال مقدّرة كقولهم : « مررت برجل معه صقر صائدا به غدا » وقوله :
فَادْخُلُوها خالِدِينَ
« 2 » ، قيل : الأصل في الحال أن تكون مقارنة ، ولا تكون مقدرة إلا حيث لا لبس .
الثالث : أن يكون منصوبا بفعل مضمر لائق بالمعنى ، تقديره : ونجعله رسولا ، لمّا رأوه لا يصحّ عطفه على مفاعيل التعليم أضمروا له عاملا يناسبه ، وهذا كما قالوا في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ
« 3 » وقوله :
1299 - يا ليت زوجك قد غدا * متقلّدا سيفا ورمحا « 4 »
وقول الآخر :
1300 - علفتها تبنا وماء باردا * . . . « 5 »
وقوله :
1301 - . . . * وزجّجن الحواجب والعيونا « 6 »
أي : واعتقدوا الإيمان ، ومعتقلا « 7 » رمحا ، وسقيتها ماء باردا ، وكحّلن العيون ، وهذا على أحد التأويلين في هذه الأمثلة « 8 » .
الرابع : أن يكون منصوبا بإضمار فعل من لفظ « رسول » ، ويكون ذلك الفعل معمولا لقول مضمر أيضا هو من قول عيسى .
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 464 .
( 2 ) سورة الزمر ، آية ( 73 ) .
( 3 ) سورة الحشر ، آية ( 9 ) .
( 4 ) تقدم .
( 5 ) تقدم .
( 6 ) عجز بيت للراعي النميري ، انظر الصناعتين ( 136 ) ، مشكل ابن قتيبة ( 213 ) ، المغني 2 / 357 ، الشذور ( 300 ) ، أساس البلاغة 1 / 394 ، معاني الفراء 3 / 123 ، التصريح 1 / 346 ، الخصائص 2 / 432 ، أوضح المسالك 1 / 299 ، رقم 259 ، الأشموني رقم ( 442 ) .
وصدر البيت :إذا ما الغانيات برزن يوما * . . .وهذا البيت من قصيدة مطلعها :أبت آيات حبّي أن تبينا * لنا خبرا ، وأبكين الحزيناوقوله : « الغانيات » جمع غانية وهي المرأة التي استغنت بجمالها عن الزينة ويقال : هي التي استغنت بيت أبيها عن أن تزف إلى الرجال ، ويقال : هي التي استغنت بزوجها عن التطلع إلى الرجال .
( برزن : أي ظهرن ) زججن : رققن ودققن الشاهد فيه قوله : « والعيونا » فإن هذه الكلمة لا تصلح أن تكون معطوفة على ما قبلها عطف مفرد على مفرد لانتفاء اشتراك المعطوف وهو العيون مع المعطوف عليه وهو الحواجب في العامل وهو زججن ، ولا يصلح « العيون أن يكون مفعولا معه لأن الاخبار بالمعية ههنا لا يفيد شيئا وإنما المتعين فيه أحد أمرين أحدهما وهو ما أشار إليه المصنف أن تكون مفعولا به لفعل محذوف .
الثاني أن تضمن العامل وهو زججن معنى فعل آخر يصلح تسليطه عليهما مثل جملن وحسن ونحوهما ، وحينئذ يكون الثاني معطوفا على الأول عطف مفرد على مفرد .
( 7 ) اعتقل الرمح : إذا وضعه بين ساقيه وركابه .
( 8 ) انظر تعليقنا على البيت السابق .