تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
الخامس : أنّ الرسول فيه معنى النطق ، فكأنه قيل : وناطقا بأني قد جئتكم . ويوضّح هذين الوجهين الأخيرين ما قاله الزمخشري ، قال رحمه اللّه : « فإن قلت : علام تحمل «
وَرَسُولًا
وَمُصَدِّقاً
» من المنصوبات المتقدمة ، وقوله :
« أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ »
و
« لِما بَيْنَ يَدَيَّ »
يأبى حمله عليها ؟ قلت : هو من المضايق ، وفيه وجهان : أحدهما : أن تضمر له « وأرسلت » على إرادة القول ، تقديره : ويعلّمه الكتاب والحكمة ويقول : أرسلت رسولا بأني قد جئتكم ومصدّقا لما بين يديّ . والثاني : أن الرسول والمصدّق فيهما معنى النطق ، فكأنه قيل : « وناطقا بأني قد جئتكم ومصدقا لما بين يديّ » انتهى . إنما احتاج إلى إضمار ذلك كلّه تصحيحا للمعنى واللفظ ، وذلك أنّ ما قبله من المنصوبات لا يصحّ عطفه عليه في الظاهر ؛ لأنّ الضمائر المتقدمة غيب ، والضميران المصاحبان لهذين المنصوبين للمتكلم ، فاحتاج إلى ذلك التقدير لتتناسب الضمائر . قال الشيخ « 1 » : « وهذا الوجه ضعيف ؛ إذ فيه إضمار شيئين : القول ومعموله الذي هو « أرسلت » ، والاستغناء عنهما باسم منصوب على الحال المؤكّدة ، إذ يفهم من قوله « وأرسلت أنه رسول فهي حال مؤكّدة » . واختار الشيخ الوجه الثالث قال : « إذ ليس فيه إلا إضمار فعل يدلّ عليه المعنى ، ويكون قوله :
« أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ »
معمولا لرسول أي : ناطقا بأني قد جئتكم على قراءة الجمهور . السادس : أن يكون حالا من مفعول
« وَيُعَلِّمُهُ »
وذلك على زيادة الواو ، كأنه قيل : ويعلّمه الكتاب حال كونه رسولا ، قاله الأخفش ، وهذا على أصل مذهبه من تجويزه زيادة الواو ، وهو مذهب مرجوح . وعلى الثاني في نصبه وجهان : أنه مفعول به عطفا على المفعول الثاني ليعلّمه أي : ويعلّمه الكتاب ورسالة أي : يعلمه الرسالة أيضا : والثاني : أنه مصدر في موضع الحال ، وفيه التأويلات المشهورة في : رجل عدل . وقرأ اليزيدي : « ورسول » بالجر ، وخرّجها الزمخشري على أنها منسوقة على قوله :
« بِكَلِمَةٍ »
أي : نبشّرك بكلمة وبرسول . وفيه بعد لكثرة الفصل بين المتعاطفين ولكن لا يظهر لهذه القراءة الشاذة غير هذا التخريج . وقوله :
إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ
فيه وجهان : أحدهما : أن يتعلّق بنفس
« رَسُولًا »
إذ فعله يتعدّى بإلى . والثاني : أن يتعلّق بمحذوف على أنه صفة لرسولا ، فيكون منصوب المحلّ في قراءة الجمهور ، مجروره في قراءة اليزيدي . قوله :
أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ
قرأ العامة :
« أَنِّي »
بفتح الهمزة وفيها ثلاثة أوجه : أحدها : أنّ موضعها جر بعد إسقاط الخافض ، إذ الأصل : بأني ، ف « بأني » متعلّق برسولا ، وهذا مذهب
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 464 .