تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 511

مساهمون:

ص٥١١
أو أنثى ، والخنثى المشكل معين في علم اللّه وإن كان مبهما في علمنا ولهذا قال الفقهاء : لو حلف بالطلاق أنه لم يلق يومه ذكرا ولا أنثى وقد لقي خنثى مشكلا حنث . وقيل : هما آدم وحواء
لَشَتَّى
جمع شتيت وهو المتفرق المختلف . ثم بين اختلاف الأعمال في ذاتها وفيما يرجع إليها في العاقبة من الثواب والعقاب أو التوفيق والخذلان . عن علي رضي اللّه عنه أنه قال : خرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في جنازة فقعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقعدنا حوله فقال « ما منكم نفس منفوسة إلا وقد علم مكانها من الجنة والنار . فقلنا : يا رسول اللّه أفلا نتكل ؟ قال : اعملوا فكل ميسر لما خلق له ثم قرأ
فَأَمَّا مَنْ أَعْطى
» « 1 » يعني حقوق ما له
وَاتَّقى
المحارم
وَصَدَّقَ
بالخصلة الحسنى وهي الإيمان أو كلمة الشهادة أو بالملة الحسنى أو بالمثوبة
فَسَنُيَسِّرُهُ
فسنهيئه للطريق اليسرى . يقال يسر الفرس للركوب إذا أسرجها وألجمها . ومعنى استغنى أنه رغب عما عند اللّه كأنه مستغن ، أو استغنى باللذات العاجلة عن الآجلة . والتحقيق فيه أن الأعمال الفاضلة إذا واظب المكلف عليها حصلت في نفسه ملكة نورانية تسهل عليه سلوك سبيل الخيرات حتى يصير التكليف طبعا . والتعب راحة والتكليف عادة ، ولأن هذه الملكة تحصل بالتدريج فلا جرم أدخل الفاء في
فَسَنُيَسِّرُهُ
ومن فسر اليسرى بالجنة فمعنى الاستقبال عنده واضح . والرذائل بالضد حتى تصير النفس من الكسل بحيث لا تواتي صاحبها إلا في مواجب الكسل وجذب الراحات العاجلة كقوله
وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ
[ البقرة : 45 ]
وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى
[ النساء : 148 ] ويقرب مما ذكرنا قول القفال : كل ما أدت عاقبته إلى يسر وراحة وأمور محمودة فإن ذلك من اليسرى وذلك وصف كل الطاعات ، وكل ما أدّت عاقبته إلى عسر وتعب فهو من العسرى وذلك وصف كل المعاصي ، ومن جملة اليسرى الجنة ومن جملة العسرى النار . استدل بعض الأشاعرة بقوله
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى
على أنه تعالى قد يخلق القبائح في المكلف ويقوي دواعيه على فعلها . والمعتزلة عبروا عن هذا التيسير بالخذلان وعن الأول بمنح الألطاف والتوفيق . ثم وبخ هذا الكافر بقوله
وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ
وهو استفهام في معنى النفي أي لا ينفعه ماله الذي بخل به
إِذا تَرَدَّى
أي مات من الردى وهو الهلاك . ويجوز أن يكون من قولهم « تردّى من الجبل » أي تردّى من الحفرة في القبر أو في قعر جهنم . استدل المعتزلة بقوله
إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى
على أنه تعالى أزاح الأعذار وما كلف المكلف إلا ما في سعته وطاقته ، وعلى أنه يجب على اللّه الهداية ، وعلى أن العبد لو لم يكن مستقلا بالإيجاد
هامش
( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 3 / 379 ) .
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 511 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات