تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
المؤثر فجعل كأن لعدم الأثر تأثيرا في عدم المؤثر ، فكذلك ينتقل من وجود الأثر إلى وجود المؤثر فيصح أن يقال : إن وجود الأثر علة لوجود المؤثر وهذا معنى كون النهار مجليا للشمس . والطحو مثل الدحو وقد مر في « النازعات » أي بسطها على الماء . وتنكير النفس إما للتنويع أي نفس خاصة من بين النفوس وهي النفس القدسية النبوية التي تصلح لرياسة ما سواها من النفوس ، وإما للتكثير على الوجه المذكور في قوله
عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ
[ التكوير : 14 ] وتسويتها إعطاء قواها بحسب حاجتها إلى تدبير البدن وهي الحواس الظاهرة والباطنة والقوى الطبيعية المخدومة والخادمة وغيرها
فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
قالت المعتزلة : هو كقوله
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ
[ البلد : 10 ] أي علمناه وعرفناه سلوك طريقي الخير والشر ويعضده ما بعده
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها
والتدسية ضد التزكية . وأصل دسي دسس قلب أحد حرفي التضعيف ياء كما في « قضيت » . والتدسيس مبالغة الدس وهو الإخفاء في التراب قال عزّ من قائل
أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ
[ النحل : 59 ] والضمير في « زكى » و « دسى » ل « من » وقال أهل السنة : الضميران للّه تعالى و « من » عبارة عن النفس والمعنى : قد سعدت نفس زكاها اللّه تعالى وخلقها طاهرة ، وخابت نفس دساها اللّه وخلقها كافرة فاجرة . وقد يروى هذا الوجه عن سعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومقاتل والكلبي قالوا : أصل الإلهام من قولهم « لهم الشيء والتهمه » إذا ابتلعه و « ألهمته إياه » أي أبلغته ذلك . فالإلهام الإبلاع أي وضع الإيمان في قلب المؤمن والكفر في قلب الكافر . ثم وعظهم بقصة ثمود لقربها من ديارهم . ولأهل التأويل أن يقولوا : إنما خص هذه القصة لأن ناقة اللّه هي البدن وعبر بصالح عن الروح ، فلما كانت قصة ثمود مناسبة لأحوال النفس الإنسانية كما مرت في التأويلات ، وكانت هذه السورة مسوقة لبيان مراتب النفس في السعادة والشقاوة ، وخصت القصة بالذكر لذلك ، وعلى هذا التأويل قد يراد بالشمس تجلي النفس الناطقة على البدن بالتدبير الكامل ، وبالقمر الروح الحيواني . أو شمس المعرفة ، وقمر المكاشفة ، ونهار وليل المحو ، وسماء الروح وأرض القلب كما مر مرارا . والطغوى اسم من الطغيان كالتقوى من الوقاية قلبت ياؤه واوا فرقا بين ما هي اسم وبين ما هي صفة كقولهم « امرأة خزيا وصديا » والباء للآلة أي فعلت التكذيب بواسطة طغيانها . وقيل : المضاف محذوف والمجموع صفة للعذاب والباء للإلصاق أي كذبت ثمود بما أوعدت من العذاب ذي الطغوى كقوله
فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ
[ الحاقة : 5 ] والأول أوضح لئلا يكون قوله
فَكَذَّبُوهُ
تكرارا . ومعنى
انْبَعَثَ
تحركت داعيته وقوي عزمه على العقر . و
أَشْقاها
عاقر الناقة قدار بن سالف ، أو هو مع من ساعده على ذلك فإن أفعل التفضيل يجوز أن لا