لما كان في وضع الدلائل فائدة . وأجوبة أهل السنة عن المسائل الثلاث معلومة . ونقل الواحدي عن الفراء وجها آخر وهو أن المراد إن علينا للهدى والإضلال فاقتصر كقوله
سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ
[ النحل : 81 ] وأكدوا ذلك بما روي عن ابن عباس في رواية عطاء أن معنى الآية أرشد أوليائي إلى العمل بطاعتي وأحول بين أعدائي أن يعملوا بطاعتي . ثم بين بقوله
وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى
أن للّه كل ما في الدنيا والآخرة فلا يضره عصيان العاصين ولا ينفعه طاعة المطيعين ، وإنما يعود ضره أو نفعه إليهم . ويمكن أن يراد أن سعادة الدارين تتعلق بمشيئته وإرادته فيعطي الهداية من يشاء ويمنعها من يشاء . والأول أوفق للمعتزلة والثاني للأشاعرة . ثم ذكر نتيجة المواعظ المذكورة قائلا
فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى
يعني إذا عرفتم هذه البيانات الوافية والتقريرات الشافية فقد صح أني أنذرتكم ، ويجوز أن يراد بالمضيّ تحقق الوقوع . والمعنى على الاستقبال أي إذا تقررت مراتب النفوس الإنسانية وعرفتم درجاتها ودركاتها فإني أنذرتكم نارا تلظى تتلهب وتتوقد وأصله تتلظى حذف إحدى التاءين .
ثم إن كان المراد بالأشقى هو أبو سفيان أو أمية وبالأتقى هو أبو بكر فلا إشكال وتتناول الآية غيرهما من الأشقياء والأتقياء بالتبعية إذ لا عبرة بخصوص السبب ، وإن كان المراد أعم فإن أريد بهم الشقي والتقي فلا إشكال أيضا ، وإن أريد حقيقة أفعل التفضيل فإما أن يراد نار مخصوصة بدلالة التنكير ، وإما أن يراد بالأشقى الكافر على الإطلاق لأنه أشقى من الفاسق .
وأما الكلام في الأتقى فنقول : إنه لا يلزم من تخصيصه بالذكر نفي ما عداه . قال جار اللّه :
هذا الكلام وارد على سبيل المبالغة فجعل الأشقى مختصا بالصلي كأن النار لم تخلق إلا له ، وجعل الأتقى مختصا بالنجاة كأن الجنة لم تخلق إلا له . وقوله
يَتَزَكَّى
أي يطلب أن يكون عند اللّه زاكيا ، أو هو من الزكاة لا محل له لأنه بدل من
يُؤْتِي
والصلة لا محل لها لأنها كبعض الكلمة ، أو هو منصوب المحل على الحال . قال بعض المفسرين : إن بلالا كان يعذب في اللّه وهو يقول أحد أحد ، فسمع بذلك أبو بكر فحمل رطلا من ذهب فابتاعه به فقال المشركون : ما فعل ذلك أبو بكر إلا ليد كانت لبلال عنده فنزل
وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ
قال أكثر النحويين : هذا الاستثناء منقطع لأن الابتغاء ليس من جنس النعمة . وقال الفراء : وهو مفعول له من
يُؤْتِي
على المعنى أي لا ينفق ماله إلا ابتغاء رضوان اللّه لا لمكافأة نعمة
وَلَسَوْفَ يَرْضى
عن اللّه أو يرضى اللّه عنه فيكون راضيا مرضيا . واعلم أن بعض الشيعة زعموا أن السورة نزلت في عليّ رضي اللّه عنه لقوله
يَتَزَكَّى
لأنه قال في موضع آخر
وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ
[ المائدة : 55 ] وقال بعض أهل السنة : إنها تدل على أفضلية أبي بكر لأنه قال في وصف عليّ وسائر أهل البيت