تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 507

مساهمون:

ص٥٠٧
في الظرف إذا قلت مثلا ابتداء
وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى
[ الليل : 1 ] لقيامه مقام قولك « أقسم بالليل إذا يغشى » فكذا حرف العطف النائب منابه نظيره قولك « ضرب زيد عمرا وبكر خالدا » فترفع بالواو وتنصب لقيامه مقام ضرب . قال بعض المتكلمين : المضاف في هذه الأقسام محذوف تقديره ورب الشمس إلى آخرها . وزيف بلزوم التكرار في قوله
وَما بَناها
وما بعده . وأجيب بأن « ما » في
وَما بَناها
وما بعده مصدرية . واعترض عليه في الكشاف بأنه يلزم من عطف قوله
فَأَلْهَمَها
على قوله
وَما سَوَّاها
فساد النظم فالوجه أن تكون « ما » موصولة . وإنما أوثرت على « من » لإرادة معنى الوصفية كأنه قيل : والسماء والقادر العظيم الذي بناها ، ونفس والحكيم الذي سوّاها ، على أنه قد جاء « ما » مستعملا في « من » كقولهم « سبحان ما سخركن لنا » . أما الذين لم يقدروا المضاف فأورد عليهم أنه يلزم تأخير القسم برب السماء وبانيها عن القسم بالسماء . والجواب أن اللّه عز قائلا أراد أن نتدرج من المحسوسات إلى المعقولات ومن المصنوعات إلى الصانع ، ولا يخفى أن المحسوسات أظهرها هو الشمس فذكرها سبحانه مع أوصافها الأربعة الدالة على عظمتها . فأول أعظم الأوصاف الضوء الحاصل منها عند ارتفاع النهار ، وثانيها تلو القمر لها غاية في منتصف الشهر أو تلوه لها في أخذ الضوء عنها أو في غروبه ليلة الهلال بعدها قاله قتادة والكلبي . وقيل : في كبر الجرم بحسب الحس وفي ارتباط مصالح هذا العالم بحركته . والثالث والرابع بروزها لمجيء النهار واختفاؤها لمجيء الليل . ثم ذكر ذاته المقدسة وعقبه بأنواع تدابيره في السماء والأرض وفي البسائط وما يتركب منها وأشرفها النفس . ولنشتغل بتفسير بعض الألفاظ . قال الليث : الضحو ارتفاع النهار والضحى فوق ذلك . والضحاء بالمد إذا امتد النهار وقرب أن ينتصف . وتلاها تبعها بإحدى المعاني المذكورة ، والتجلية الكشف والعيان . والضمير في
جَلَّاها
للشمس في الظاهر على ما قال الزجاج وغيره ، لأن النهار كلما كان أصدق نورا كانت الشمس أجلى ظهورا فإن الكشف والعيان يدل على قوة المؤثر وكماله لا قوة الأثر وكماله ، فكان النهار يبرز الشمس ويظهرها . وذهب جم غفير إلى أن الضمير يعود إلى الظلمة أو الدنيا أو الأرض بدلالة قرائن الأحوال وسياق الكلام ، ولعل الوجه الأول أولى لأن عود الضمير إلى المذكور أقرب منه إلى المقدر ، ولأنه يلزم تفريق الضمائر فإن الضمير في
يَغْشاها
للشمس بالاتفاق وكذا في
ضُحاها
و
تَلاها
ولأن غشيان الليل الشمس عبارة عن ذهاب الضوء وحصول الظلمة بسبب غيبة الشمس في الأفق ، فكذا تجلية النهار إياها يجب أن تكون إشارة إلى كمال الضوء وظهوره للحس بواسطة ظهور الشمس فوق الأفق . والحاصل أن الذهن كما ينتقل من عدم الأثر إلى عدم