تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
يجوز حذف الفاعل من غيره والتقدير : فك فاك رقبة أو إطعام مطعم يتيما . والمسغبة مصدر على « مفعلة » من سغب إذا جاع ، وكذا المقربة من قرب في النسب . والمتربة من ترب إذا افتقر والتصق بالتراب فليس فوقه ما يستره ولا تحته ما يوطئه . عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : هو الذي مأواه المزابل . ووصف اليوم بذي مسغبة مجاز باعتبار صاحبه نحو « نهاره صائم » . وفك الرقبة تخليصها من رق أو غيره . وفي الحديث إن رجلا قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : دلني على عمل يدخلني الجنة . فقال : « تعتق النسمة وتفك الرقبة . فقال : أو ليسا سواء ؟ قال : لا إعتاقها أن تتفرد بعتقها وفكها تخلصها من قود أو غرم » « 1 » وقد استدل أبو حنيفة من تقديم العتق على أنه أفضل من الصدقة . وعند بعضهم بالعكس لأن في الصدقة تخليص النفس من الإشراف على الهلاك فإن قوام البدن بالغذاء ، وفي الفك تخليصها من القيد في الأغلب . وأيضا لعل الأمر في الأول أضيق . ولا شك أن إطعام اليتيم القريب أفضل من اليتيم الأجنبي . وقد يستدل للشافعي أن المسكين أحسن حالا من الفقير وأنه قد يكون بحيث يملك شيئا وإلا وقع قوله
ذا مَتْرَبَةٍ
تكرارا . وقال بعض أهل التأويل : فك الرقبة أن يعين المرء نفسه على إقامة الوظائف الشرعية ليتخلص بها عن النار . وعندي هو أن يفك رقبته عن الكونين ليلزم عنه زوال الحرص المستتبع لمواساة النفس على الطعام والإيثار . وفي قوله
ثُمَّ كانَ
وجوه أحدها : أن هذا التراخي في الذكر لا في وجود فإن الإيمان مقدّم على جميع الخصال المعتدّ بها شرعا كقوله :
إن من ساد ثم ساد أبوه * ثم قد ساد قبل ذلك جده
أي ثم إنه أذكر ساد أبوه : وثانيها التأويل بالعاقبة أي ثم كان في عاقبة أمره ممن يموت على الإيمان . وثالثها أن الآية نزلت فيمن أتى بهذه الخصال قبل إيمانه بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ثم آمن به بعد مبعثه . فعند بعضهم يثاب على تلك الطاعات يدل عليه ما روي أن حكيم بن حزام بعد ما أسلم قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنا كنا نأتي بأعمال الخير في الجاهلية فهل لنا منها شيء ؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم « أسلمت على ما قدّمت من الخير » « 2 » . ورابعها وهو أولى الوجوه عند أصحاب المعاني أن المراد تراخي الرتبة والفضيلة لأن ثواب الإيمان أكثر من ثواب العتق والصدقة . وقد يوجه البيت المذكور على هذا بأن المراد ثم ساد أبوه مع ذلك ثم ساد جده مع ما ذكر ،
هامش
( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 4 / 299 ) . ( 2 ) رواه البخاري في كتاب الأدب باب 16 . مسلم في كتاب الإيمان حديث 194 ، 195 ، 196 . أحمد في مسنده ( 3 / 402 ، 434 ) .