تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
تزيدوا عليه . والآية عامة وقد يخصصها رواة أسباب النزول بقصة حمزة قالوا : إن المشركين مثلوا بالمسلمين يوم أحد بقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم ، ما تركوا أحدا غير ممثول به إلا حنظلة بن الراهب . فوقف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على حمزة وقد مثل به . وروي فرآه مبقور البطن فقال : أما والذي أحلف به إن أظفرني اللّه بهم لأمثلن بسبعين مكانك فنزلت فكفر عن يمينه وكف عما أراده . قاله ابن عباس في رواية عطاء وأبيّ بن كعب . ومن هذا ذهبوا إلى أن خواتيم سورة النحل مدنية . ولا خلاف في تحريم المثلة ، وقد وردت الأخبار بالنهي عنها حتى بالكلب العقور . وقيل : نزلت حين كان المسلمون قد أمروا بالقتال مع من يقاتلهم ولا يبدءوا بالقتال فهو كقوله :
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ
[ البقرة : 190 ] أمر اللّه تعالى أن يعاقبوا بمثل ما يصيبهم من العقوبة ولا يزيدوا . وقال مجاهد والنخعي وابن سيرين : إنه نهى المظلوم عن استيفاء الزيادة من الظالم . وفي قوله :
إِنْ عاقَبْتُمْ
رمز إلى أن الأولى له أن لا يفعل كقول الطبيب للمريض : إن كنت تأكل الفاكهة فكل التفاح . ثم انتقل من التعريض إلى بعض التصريح قائلا .
وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ
أي صبركم خير لكم . فوضع المظهر موضع المضمر ثناء من اللّه عليهم أو وصفا لهم بالصفة التي تحصل لهم أو جنس الصبر خير
لِلصَّابِرِينَ
من جنسهم . ثم صرح كل التصريح فقال :
وَاصْبِرْ
ثم ذكر ما يفيد سهولة الصبر على النفس فقال :
وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
أي بتوفيقه وتثبيته وربطه على قلبه وهذا سبب كلي مفيد للصبر . وأما السبب الجزئي القريب فذلك قوله :
وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ
وذلك أن إقدام الإنسان على الانتقام لا يكون إلا عند هيجان الغضب وإنه لا يهيج إلا عند فوات نفع . وأشار إليه بقوله :
وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ
قيل : أي على قتلى أحد . وقيل : على الكافرين كقوله :
فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
[ المائدة : 68 ] وإلا حين توقع مكروه في المستقبل وأشار إلى ذلك بقوله :
وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ
من قرأ بكسر الضاد فظاهر وهو من الكلام المقلوب الذي يشجع عليه أمن الإلباس ، لأن الضيق وصف فهو يكون في الإنسان ولا يكون الإنسان فيه . وفيه لطيفة أخرى وهي أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشئ المحيط به من جميع الجوانب ، ومن قرأ بفتحها فإما على أنه مصدر أيضا أو على أنه مخفف ضيق فمعناه في أمر ضيق . وإنما لم يقل « ولا تكن » بالنون كما في آخر النمل موافقة لما قبله
وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
ولأن الحزن هاهنا أكثر بناء على أنها وردت في قتل حمزة فبولغ بالحذف في النهي عن الحزن . ثم ختم السورة بآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات فقال :
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا
المعاصي كلها
وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
في الطاعات بأن يعبدوا اللّه مخلصين عن