تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
إن يوم السبت هو اليوم الذي قد فرغ اللّه فيه من الأعمال فنحن نوافق ربنا . فما وجه جعل الجمعة عيدا ؟ والجواب بعد التعبد هو أن يوم الجمعة يوم التمام والكمال وذلك يوجب الفرح والسرور فجعله عيدا أولى . ثم أوعد اليهود بقوله :
وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ
إلخ . ولما أمر محمدا باتباع إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم بين وجه المتابعة فقال :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ
الآية . وفيه أن طريقة إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم في الدعوة كانت هكذا . وتقرير ذلك أن الداعي إلى مذهب ونحلة لا بد أن يكون قوله مبنيا على حجة وهي إما أن تكون يقينية قطعية مبرأة من شائبة احتمال النقيض ، وإما أن تكون مفيدة للظن القوي والإقناع التام وإلا لم يكن ملتفتا إليها في العلوم . وقد يكون الجدال والخصام غالبا على المدعو فيحتاج حينئذ إلى إلزامه وإفحامه بدليل مركب من مقدمات مشهورة مسلمة عند الجمهور ، أو مقدمات مسلمة عند الخصم . فقوله :
بِالْحِكْمَةِ
إشارة إلى استعمال الحجج القطعية المفيدة لليقين ، والمكالمة بهذا الطريق إنما تكون مع الطالبين البالغين في الاستعداد إلى درجة الكمال . وقوله :
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
إشارة إلى استعمال الدلائل الإقناعية الموقعة للتصديق بمقدمات مقبولة ، وأهل هذه المكالمة أقوام انحطت درجتهم عن درجة الطائفة الأولى إلا أنهم باقون على الفطرة الأصلية طاهرون عن دنس الشغب وكدورات الجدال وهم عامة الخلق . وليس للدعوة إلا هذان الطريقان ، ولكن الداعي قد يضطر مع الخصم الألد إلى استعمال الحجج الملزمة المفحمة كما قلنا فلهذا السبب عطف على الدعوة قوله :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي
أي بالطريقة
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
فكان طريق الجدال لم يكن سلوكه مقصودا بالذات وإنما اضطر الداعي إليه لأجل كون الخصم مشاغبا . وإنما استحسن هذا الطريق لكون الداعي محقا وغرضه صحيحا ، فإن كان مبطلا وأراد تغليط السامع لم يكن جداله حسنا ويسمى دليله مغالطة . هكذا ينبغي أن يتصوّر تفسير هذه الآية فإن كلام المفسرين الظاهريين فيه غير مضبوط . وجوّز في الكشاف أن يريد القرآن أي ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة وجادلهم بأحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف . ولما حث على الدعوة بالطرق المذكورة بين أن الهداية والرشد ليس إلى النبي وإنما ذلك إلى اللّه تعالى فقال :
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ
الآية . أي هو العالم بضلال النفوس واهتدائها وكدورتها وبمن جعل الدعوة سببا لسعادتها أو واسطة لشقائها . ثم إن الدعوة تتضمن تكليف المدعوّين بالرجوع عن الدين المألوف ، والفطام منه شديد وربما تنجر المقاولة إلى المقاتلة ، فحينئذ أمر الداعي وأتباعه برعاية العدل والإنصاف في حال القتال قائلا
وَإِنْ عاقَبْتُمْ
أي إن رغبتم في استيفاء القصاص إن وقع قتل فاقنعوا بالمثل ولا