تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
حلال وهذا حرام ، فحذف لفظ فيه لكونه معلوما . وقوله :
تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ
من فصيح الكلام وبليغه كأن ماهية الكذب مجهولة وكلامهم يكشف عن حقيقته نظيره قولهم : « وجهه يصف الجمال وعينه تصف السحر » . واللام في قوله :
لِتَفْتَرُوا
لام العاقبة لا الغرض . والمقصود من ذكره بيان أنه كذب على اللّه فإن قوله :
لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ
لم يكن فيه هذا البيان . ثم أوعد المفترين بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ
الآية . وقوله :
مَتاعٌ
قال الزجاج : أي متاعهم . وعن ابن عباس : أراد أن متاع كل الدنيا قليل . والمعنى أن منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية ، أو أن نعيم الدنيا كلها يزول عنهم عما قريب ويبقى العقاب الدائم الأليم . ثم خص محرمات اليهود بالذكر فقال :
وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ
يعني في سورة الأنعام عند قوله :
وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ
[ الأنعام : 146 ] ثم قال :
وَما ظَلَمْناهُمْ
كقوله هناك :
ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ
[ الأنعام : 146 ] . ثم بين أن الافتراء على اللّه ومخالفة أمره لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة والرحمة . وقوله :
بِجَهالَةٍ
في موضع الحال أي عملوا السوء جاهلين غير عارفين باللّه وبعقابه أو غير متأملين في وخامة عاقبته لغلبة الشهوة عليهم .
إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها
من بعد تلك السيئة أو التوبة أو الجهالة . ولما بالغ في إبطال مذاهب المشركين وفي الجواب عن شبههم ومطاعنهم وكان إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم رئيس الموحدين وقدوة أكابر النبيين ذكره اللّه تعالى في آخر هذه السورة قائلا :
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً
أي هو وحده أمة من الأمم لكماله في جميع صفات الخير :
ليس على اللّه بمستنكر * أن يجمع العالم في واحد
وعن مجاهد : كان مؤمنا وحده والناس كلهم كفار فلهذا قيل : إنه أمة . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول في زيد بن عمرو بن نفيل : يبعثه اللّه أمة وحده . وعن شهر بن حوشب : لم يكن زمن إلا وفيه أربعة عشر يدفع بهم اللّه عن أهل الأرض إلا زمن إبراهيم فإنه وحده . وقيل : أمة بمعنى مأموم أي يؤمه الناس ليأخذوا منه أفعال الخير أو بمعنى مؤتم به كقوله :
إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً
[ البقرة : 124 ] . وقيل : إنه من باب إطلاق المسبب على السبب لأنه حصل لأمته الامتياز عمن سواهم
قانِتاً لِلَّهِ
قائما بما يأمره اللّه . وعن ابن عباس : مطيعا للّه
حَنِيفاً
مائلا إلى ملة الإسلام ميلا لا يزول عنه . وقال ابن عباس : المراد أنه أول من اختتن وأقام مناسك الحج وضحى .
وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
قط لا في الصغر ولا في الكبر
شاكِراً لِأَنْعُمِهِ
وإن كانت قليلة فضلا عن النعم الكثيرة .