تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
شوائب الرياء . وقيل :
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا
استيفاء الزيادة
وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
في ترك أصل الانتقام . فإن أردت أن أكون معك بالنصر والتأييد فكن من المتقين ومن المحسنين ، وفيه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون بالرفق واللين مرتبة مرتبة . وقيل : الذين اتقوا إشارة إلى التعظيم لأمر اللّه ، والذين هم محسنون إشارة إلى الشفقة على خلق اللّه ومنه قال بعض المشايخ : كمال الطريق صدق مع الحق وخلق مع الخلق . واحتضر هرم بن حبان فقيل له : أوص . فقال : إنما الوصية من المال ولا مال لي أوصيكم بخواتيم سورة النحل .

التأويل :

وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً
إنه تعالى يعالج بدواء القرآن أمراض القلوب في كل وقت بنوع آخر على حسب ما يعلمه من المصالح فلذلك قال :
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ
وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ
الذين استسلموا للطبيب ومعالجته حتى صارت قلوبهم سليمة .
إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ
ففيه إنكار أن طب القلوب وعلاجها من شأن البشر بنظر العقل لأنه مبني على معرفة الأمراض وكميتها وكيفيتها ، ومعرفة الأدوية وخواصها وكيفية استعمالها ، ومعرفة الأمزجة واختلاف أحوالها ، وأن القلوب بيد اللّه يقلبها هو كيف يشاء فيضيق عن معالجتها نطاق عقول البشر ولهذا قال إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم :
وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
[ الشعراء : 80 ] اللّهم إلا إذا علم بتعليم اللّه كقوله :
وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
[ النساء : 113 ] ومع هذا كان يقول نحن نحكم بالظاهر
يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ
هو الذي لا يفهم من كلام اللّه أسراره وحقائقه والعربي ضده كما قال :
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ
[ مريم : 97 ] .
إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ
لأن الافتراء من شأن النفس الأمارة الكافرة التي لا تؤمن بآيات اللّه .
وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ
أي هم الذين استمروا على الكذب لأن المؤمن قد يكذب في بعض الأحوال إلا أنه لا يصر على ذلك ، وهكذا في جميع المعاصي ولهذا لا يخرج من الإيمان بالكلية ولكن ينقص الكذب إيمانه ويرجع بالتوبة إلى أصله . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند اللّه كذابا » « 1 » .
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ
إشارة إلى المريد المرتد بنسيم روائح نفحات الحق بمشام قلبه عند هبوبه ، واصطكاك أهوية عوالم الباطن ، وانخراق سحب حجب البشرية فلمع له برق أضاءت به آفاق سماء القلب وأشرقت أرض
هامش
( 1 ) رواه البخاري في كتاب الأدب باب : 69 . مسلم في كتاب البر حديث : 102 - 105 . أبو داود في كتاب الأدب باب : 80 . الترمذي في كتاب البر باب : 46 . ابن ماجة في كتاب المقدمة باب : 7 . الدارمي في كتاب الرقاق باب : 7 . أحمد في مسنده ( 1 / 384 ، 410 ) .