فقال :
وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
أي من خبث جوارهم وسوء عشرتهم
وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
وليس هذا فوقية المكان بالاتفاق . فالمراد إما الفوقية بالحجة والدليل ، وإما الفوقية بالقهر والاستيلاء . وفيه إخبار عن ذل اليهود ومسكنتهم إلى يوم القيامة . ولعمري إنه كذلك فلا يرى ملك يهودي في الدنيا ولا بلد لهم مستقل بخلاف النصارى . على أنا نقول : المراد بمتبعي المسيح هم الذين كانوا يؤمنون بأنه عبد اللّه ورسوله ثم آمنوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم بعده فصدقوه في قوله :
وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ
[ الصف : 6 ] أو المتبعون هم المسلمون الذين اتبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى .
واعلم أن نص القرآن دل على أنه تعالى حين رفعه ألقى شبهه على غيره قال :
وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ
[ النساء : 157 ] فأورد بعض الملحدة عليه إشكالات :
الأول أنه يوجب ارتفاع الأمان عن المحسوسات فإني إذا رأيت ولدي ثم رأيته ثانيا فحينئذ أجوز أن هذا الذي رأيته ثانيا ليس ولدي بل هو إنسان آخر ألقى شبهه عليه ، وكذا الصحابة الذين رأوا محمدا يأمرهم وينهاهم احتمل أن يكون محمد إنسانا آخر ألقى شبهه عليه وأنه يفضي إلى سقوط الشرائع وكذا إلى إبطال التواتر ، لأن مدار الأمر في الأخبار المتواترة على أن يكون المخبر الأول إنما أخبر عن المحسوس وأنتم جوزتم وقوع الغلط في المبصرات ، ففتح هذا الباب أوله سفسطة وآخره إبطال النبوات . الثاني أن جبريل كان معه حيث سار .
ثم إن طرف جناح واحد منه يكفي لأهل الأرض . فكيف لم يكف في منع أولئك اليهود ؟
وأنه صلى اللّه عليه وسلم كان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ، فكيف لم يقدر على إماتة أولئك اليهود الذين قصدوه بالسوء وإلقاء الفلج والزمانة عليهم حتى لا يتعرضوا له ؟ الثالث أنه تعالى كان قادرا على تخليصه من الأعداء بأن يرفعه إلى السماء ، فما الفائدة في إلقاء شبهه على الغير ؟
وهل فيه إلا إيقاع مسكين في القتل من غير فائدة مع أن ذلك يوجب تلبيس الأمر عليهم حتى اعتقدوا أن المصلوب هو عيسى وأنه لم يكن عيسى ، والتمويه والتخليط لا يليق بحكمة اللّه تعالى ؟ الرابع أن النصارى على كثرتهم في المشارق والمغارب وإفراطهم في محبة عيسى أخبروا أنهم شاهدوه مصلوبا ، فإنكار ذلك إنكار المتواتر ، والطعن في المتواتر يوجب الطعن في نبوة جميع الأنبياء . الخامس ثبت بالتواتر أن المصلوب بقي حيا زمانا طويلا . فلو كان هو غير عيسى لأظهر الجزع وعرف نفسه ، ولو فعل ذلك اشتهر وتواتر . والجواب عن الأول أن كل من أثبت القادر المختار سلم أنه تعالى قادر على خلق مثل زيد . وهذا التجويز لا يوجب الشك في وجود زيد فكذا فيما ذكرتم . وعن الثاني والثالث أن ذلك يفضي إلى