تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
أن يكون أقوى حالا من المشبه في وجه الشبه . ثم فسر كيفية خلق آدم بقوله :
خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
أي قدّره جسدا من طين . قيل : اشتقاق آدم من الأدمة . وقال ابن عباس : سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض كلها أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها ، فلذلك كان في ولده الأسود والأحمر والطيب والخبيث . وقيل : إنه اسم أعجمي كآزر ووزنه « فاعل » لا « أفعل » . والضمير عائد إلى آدم الموجود كقولك : « هذا الكون أصله من الطين »
ثُمَّ قالَ لَهُ
أي لذلك المقدّر
كُنْ فَيَكُونُ
وهذا كقوله :
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ
[ المؤمنون : 14 ] وإنما لم يقل « فكان » إما لأنه حكاية حال ماضية ، وإما تصوير لتلك الحالة العجيبة كقوله : فأصر بها بلا دهش فخرت أو المراد اعلم يا محمد أن ما قال له ربك « كن » فإنه يكون لا محالة . وقيل : معنى « ثم » تراخي الخبر عن الخبر لا تراخي المخبر عن المخبر كقول القائل « أعطيت زيدا ألفا اليوم ثم أنا أعطيته أمس ألفين » أي ثم أنا أخبركم أني أعطيته أمس ألفين فكذا قوله :
خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
أي صيره بشرا سويا . ثم إنه يخبركم أنه إنما خلقه بأن قال له « كن » . وقيل : إن معنى الخلق يرجع إلى علمه تعالى بكيفية وقوعه وإرادته لإيقاعه على الوجه المخصوص . والمراد ب « كن » إدخاله في الوجود . قالت الحكماء : إنما خلق آدم من التراب لوجوه : ليكون متواضعا وليكون ستارا وليكون أشد التصاقا بالأرض فيصلح للخلافة فيها ، ولما فيه من إظهار القدرة فخلق الشياطين من النار التي هي أضوأ الأجرام السفلية وابتلاهم بظلمات الضلالة ، وخلق الملائكة من الهواء الذي هو أرق الأجرام وأعطاهم كمال القوة والقدرة ، وخلق السماوات من أمواج مياه البحار وأبقاها معلقة في الفضاء ، وخلق آدم من التراب الذي هو أكثف الأجرام فآتاه النور والهداية ، وكل ذلك برهان باهر ودليل ظاهر على أنه تعالى هو المدبر بغير احتياج والخالق بلا مزاج . وعلاج خلق البشر من التراب لإطفاء نيران الشهوة والحرص والغضب ، وخلقه من الماء
خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً
[ الفرقان : 54 ] ليكون صافيا تتجلى فيه صور الأشياء . ثم مزج بين التراب والماء لامتزاج اللطيف بالكثيف فصار طينا
إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ
[ ص : 71 ] ثم إنه سل من ألطف أجزاء الطين
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ
[ المؤمنون : 13 ] ثم جعله طينا لازبا
إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ
[ الصافات : 11 ] ثم سنه وغير رائحته
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
[ الحجر : 26 ] . عن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم : لم تعبدون عيسى عليه السلام ؟ قالوا :