تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
يسمى بلغة النبط هواري فعرّب . وأما أن الحواريين من هم فقيل : هم الذين يصطادون السمك فاتبعوا عيسى وآمنوا كما حكينا . وقيل : إن أمه دفعته إلى صبّاغ فكان إذا أراد أن يعلمه شيئا كان هو أعلم به منه فغاب الصبّاغ يوما لبعض مهماته فقال : هاهنا ثياب مختلفة وقد علمت على كل واحد علامة معينة فاصبغها بتلك الألوان . فطبخ عيسى عليه السلام حبا واحدا وجعل الجميع فيه . وقال : كوني بإذن اللّه كما أريد . فرجع الصباغ وسأله فأخبره بما فعل فقال : قد أفسدت عليّ الثياب قال : قم فانظر . فكان يخرج ثوبا أحمر وثوبا أخضر وثوبا أصفر كما يريد . فتعجب الحاضرون منه وآمنوا فهم الحواريون . وقيل : كانوا اثني عشر اتبعوا عيسى وكانوا إذا جاعوا قالوا : يا روح اللّه جعنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج لكل واحد رغيفان ، وإذا عطشوا قالوا : عطشنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج الماء فيشربون فقالوا : من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا وإذا شئنا سقيتنا وقد آمنا بك ؟ فقال : أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه . قال : فصاروا يغسلون الثياب فسموا حواريين . وقيل : إن واحدا من الملوك صنع طعاما وجمع الناس عليه ، وكان عيسى عليه السلام على قصعة . فكانت القصعة لا تنقص . فذكروا هذه الواقعة لذلك الملك فقال : تعرفونه ؟ قالوا : نعم . فذهبوا إليه بعيسى فقال : من أنت ؟ قال : عيسى ابن مريم . قال : فإني أترك ملكي فأتبعك . فتبعه ذلك الملك مع أقاربه فأولئك هو الحواريون . قال القفال : يجوز أن يكون بعضهم من الملوك وبعضهم من الصيادين وبعضهم من القصارين ، وسموا جميعا بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى والمخلصين في محبته وطاعته .
آمَنَّا بِاللَّهِ
يجري مجرى السبب لقولهم :
نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ
فإن الإيمان باللّه يوجب نصرة دين اللّه والذب عن أوليائه والمحاربة مع أعدائه
وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
منقادون لما تريده منا في نصرتك والذب عنك ، مستسلمون لأمر اللّه تعالى فيه . أو هو إقرار منهم بأن دينهم الإسلام وأنه دين كل الأنبياء عليهم السلام ، وإنما طلبوا شهادته لأن الرسل يشهدون للأمم يوم القيامة . ثم تضرعوا إلى اللّه تعالى بقولهم :
رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ
وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين فضل يزيد على فضل الحواريين . فقال ابن عباس : أي مع محمد صلى اللّه عليه وسلم وأمته لأنهم مخصوصون بأداء الشهادة
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
[ البقرة : 143 ] وعنه أيضا اكتبنا في زمرة الأنبياء لأن كل نبي شاهد لقومه
وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
[ البقرة : 143 ] وقيل : اكتبنا في جملة من شهد لك بالتوحيد ولأنبيائك بالتصديق فقرنت ذكرهم بذكرك في قولك :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ
[ آل عمران : 18 ] وقيل : اجعلنا ممن هو مستغرق في شهود جلالك بحيث لا نبالي بما يصل إلينا من المشاق والآلام فيسهل علينا الوفاء بما التزمنا من