تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
نصرة رسولك ، أو اكتب ذكرنا في زمرة من شهد حضرتك من الملائكة المقربين كقوله :
كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ
[ المطففين : 18 ]
وَمَكَرُوا
يعني كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر
وَمَكَرَ اللَّهُ
المكر في اللغة السعي في خفية ومداجاة . قال الزجاج : يقال مكر الليل وأمكر إذا أظلم . وقيل : أصله من إجماع الأمر وإحكامه ، ومنه امرأة ممكورة مجتمعة الخلق . فلما كان المكرر رأيا محكما قويا مصونا عن جهات النقض والفتور لا جرم سمي مكرا . أما مكرهم بعيسى عليه السلام فهو أنهم هموا بقتله ، وأما مكر اللّه بهم فهو أن رفعه إلى السماء وما مكنهم من إيصال السوء إليه . روي أن ملك اليهود أراد قتل عيسى عليه السلام وكان جبريل لا يفارقه ساعة ، فأمره جبريل أن يدخل بيتا فيه روزنة . فلما دخلوا البيت أخرجه جبريل من تلك الروزنة وكان قد ألقى شبهه على غيره ممن وكل به ليقتله غيلة فأخذ وصلب فتفرق الحاضرون ثلاث فرق : فرقة قالت : كان اللّه فينا فذهب . وأخرى قالت : كان ابن اللّه . وأخرى قالت : كان عبد اللّه ورسوله . وقيل : إن الحواريين كانوا اثني عشر ، وكانوا مجتمعين في بيت ، فنافق واحد منهم ودل اليهود عليه فألقى اللّه شبهه عليه ورفع عيسى عليه السلام . وذكر محمد بن إسحاق أن اليهود عذبوا الحواريين بعد أن رفع عيسى فشمسوهم ولقوا منهم الجهد . فسمع بذلك ملك الروم . وكان ملك اليهود من رعيته فقيل : إنه قتل رجلا من بني إسرائيل ممن يحب أمرك ، وكان يخبرهم أنه رسول اللّه وأراهم إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وفعل ما فعل فقال : لو علمت ذلك ما خليت بينه وبينهم . ثم بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى عليه السلام فأخبروه ، فتابعهم على دينهم وأنزل المصلوب فغيبه وأخذ الخشبة فأكرمها وصانها ، ثم غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقا عظيما ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم . وكان اسم هذا الملك « طباريس » ، وهو صار نصرانيا إلا أنه ما أظهر ذلك . ثم إنه جاء بعده ملك آخر يقال له « ملطيس » وغزا بيت المقدس حجرا على حجر ، فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز ، فهذا كله مما جازاهم اللّه تعالى على تكذيب المسيح والهم بقتله . وقيل : إنهم مكروا في إخفاء أمره وإبطال دينه ، ومكر اللّه بهم حيث أعلى دينه وأظهر شريعته وقهر بالذل أعداءه وهم اليهود
وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
أقواهم مكرا وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب . واعلم أن المكر إن كان عبارة عن الاحتيال في إيصال الشر فهو في حق اللّه تعالى محال ، فاللفظ إذن من المتشابهات فيجب أن يؤول بأن جزاء المكر يسمى مكرا كقوله :