لأنه لا أب له . قال : فآدم أولى لأنه لا أبوين له . قالوا : كان يحيي الموتى . قال : فحزقيل أولى لأن عيسى أحيا أربعة نفر وأحيا حزقيل ثمانية آلاف . فقالوا : كان يبرئ الأكمه والأبرص . قال : فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالما .
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق يعني الذي أنبأتك من شأن عيسى لا الذي اعتقد النصارى فيه أنه إله ، ولا الذي يزعم اليهود من رميها بيوسف النجار ، أو
الْحَقُّ
مبتدأ و
مِنْ رَبِّكَ
خبره كما يقال : الحق من اللّه والباطل من الشيطان .
فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
الشاكين . قال ابن الأنباري : أصله من مريت الناقة والشاة حلبتها فكأن الشاك يجتذب بشكه شرا . وفي هذا النهي ترغيب له في زيادة الثبات والطمأنينة ولطف للأمة وقد مر نظائره في سورة البقرة .
التأويل :
الاصطفاء ثلاثة أنواع : اصطفاء على غير الجنس
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ
[ آل عمران : 33 ] ولم يكن له جنس حين خلقه وأسجد له ملائكته ، واصطفاء على الجنس وعلى غير الجنس كاصطفاء محمد صلى اللّه عليه وسلم على الكائنات
كقوله : لولاك لما خلقت الأفلاك .
وقال صلى اللّه عليه وسلم : « آدم فمن دونه تحت لوائي »
، واصطفاء على الجنس كقوله :
يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ
[ الأعراف : 144 ] ولمريم
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ
لاصطفائك إياه
وَطَهَّرَكِ
عن الالتفات لغيره
وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ
لنيل درجة الكمال وإن لم يكن ذلك من شأن النساء .
إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ
كل صنف من أصناف الخلق حرف من حروف كلمة معرفة اللّه تعالى . والعالم بما فيه كلمة المعرفة
كقوله : « كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف »
والإنسان وإن كان صنفا من أصناف العالم وهو حرف من حروف كلمة المعرفة لكنه خلق نسخة العالم بما فيه فهو أيضا كلمة المعرفة كالعالم ، لكنه خص من العالم بما فيه بكرامة معرفة نفسه ومعرفة ربه ومعرفة العالم بما فيه ، وهذا مقام مخصوص بالإنسان الكامل المزكى بتزكية الشريعة المربى بتربية أرباب الطريقة .
وإنما خص عيسى علية السلام بهذا الاسم - أعني الكلمة - من بين سائر الأنبياء والأولياء لأنه خلق مستعدا لهذا الكمال في بدء أمره . قد فهم من كلمة نفسه معرفة ربه كما
قال صلى اللّه عليه وسلم « من عرف نفسه فقد عرف ربه »
وكان من اختصاصه بالكلمة أنه قال في المهد :
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ
[ مريم : 30 ] روى مجاهد قال : قالت مريم بنت عمران : كنت إذا خلوت أنا وجنيني حدثته وحدثني ، فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع . وسمي المسيح لأنه حين مسح اللّه تعالى ظهر آدم فاستخرج منه ذرّات ذرّياته لم يردّه إلى مقامه كما
جاء في الخبر « إن اللّه تعالى أذن للذرّات بالرجوع إلى ظهر آدم وحفظ ذرة عيسى وروحه عنده حتى ألقاها إلى مريم »
فكان قد بقي عليه اسم المسيح أي الممسوح .
وَكَهْلًا
أي حالة النبوة