« كلّ ما ميّزتموه بأوهامكم في أدق معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم ، ولعلّ النّمل الصغار تتوهّم أنّ للّه تعالى زبانتين فإنّ ذلك كمالها ويتوّهم أنّ عدمها نقصان لمن ( لا يتصف بهما ) لا يكونان له » .
ومعناه أنّ الخلق لا يطلقون عليه تعالى صفة من الصفات إلّا بما يجدون في أنفسهم مثل ذلك كالعلم والقدرة والإرادة وأخواتها ، وقال بعض العلماء : إنّ العقلا لمّا أرادوا إطلاق الصفة عليه تعالى أطلقوا عليه صفة العلم دون الجهل لأنّها أشرف منه ، وكذلك صفة القدرة دون العجز فإنّها أشرف وإلّا ليس له في نفس الأمر صفة تطلق عليه ، لأنّ كما له في نفي صفاته مطلقا لا في إثبات صفات له يكون موحبا لكثرته وتعدّده ، ونظرا إلى هذا قال مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام في بعض خطبه :
« أوّل الدين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال تصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه ، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف ، وشهادة كلّ موصوف في أنّه غير الصفة ، فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثنّاه ، ومن ثنّاه فقد جزّاه ، ومن جزّاه فقد جهله ، ومن جهله فقد أشار إليه ، ومن أشار إليه فقد حدّه ، ومن حدّه فقد عدّه ، ومن قال : فيم ؟ فقد ضمّنه ، من قال :
على ؟ فقد أخلى منه ، كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، مع كلّ شيء لا بمقارنة ، وغير كلّ شيء لا بمزايلة » . [ نهج البلاغة : الخطبة 1 ] .
وبناء على هذا فالتوحيد الوصفي لا يكون إلّا بسلب الصّفات الزّايده على ذاته عن ذاته مطلقا وإثبات الصفات كلّها له بمعنى سلبها عن الغير مطلقا ، لأنّ الغير ليس له ذات حتّى تكون له صفة ، والصّفة تابعة للذّات ، فمن لا يكون له ذات لا تكون له صفة فالصّفة في الحقيقة لا تكون إلّا للّه
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 23
مساهمون: السيد حيدر الآملي
ص٢٣