أنفسهم في « قبضة الذريّة » من ظهر آدم ؟ لا ، واللّه ! بل عناية ( من اللّه ) إشهاده إياهم ذلك ، عند أخذه إياهم عنهم من ظهورهم ، و ( لكن ) لمّا رجعوا إلى الأخذ عن قواهم المفكرة في معرفة اللّه ، لم يجتمعوا قطّ على حكم واحد في معرفة اللّه ، وذهب كلّ طائفة إلى مذهب وكثرت القالة في الجناب الإلهيّ الأحمى ، واجترؤوا ( أي أصحاب الفكر ، الآخذون عن أفكارهم لا عن اللّه ) غاية الجرأة على اللّه ، وهذا كلّه من الابتلاء الّذي ذكرناه ، من خلقه تعالى الفكر في الإنسان .
و ( أمّا ) أهل اللّه ( فقد ) افتقروا إليه ( تعالى ) فيما كلّفهم من الإيمان به في معرفته ، وعلموا أن المراد منهم رجوعهم إليه سبحانه في ذلك ، وفي كلّ حال ، فمنهم من قال : « سبحان من لم يجعل سبيلا إلى معرفته إلّا العجز عن معرفته » .
ومنهم من قال : « العجز عن درك الإدراك إدراك ! » .
وقال صلّى اللّه عليه واله :
« لا أحصى ثنائا عليك » .
وقال تعالى :
وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
[ طه : 110 ] .
فرجعوا إلى اللّه في المعرفة به ، وتركوا الفكر في مرتبته ووفوه حقّه : لم ينقلوه إلى ما لا ينبغي له التفكر فيه وقد ورد النهى عن التفكّر في ذات اللّه ، واللّه يقول :
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
[ آل عمران : 28 ] .
فوهبهم اللّه من معرفته ما وهبهم ، وأشهدهم من مخلوقاته ومظاهره ما أشهدهم ، فعلموا أنّه ما يستحيل عقلا من طريق الفكر ، لا يستحيل نسبة إلهيّة .