( خلق القلم واللوح )
فاعلم أنّ اللّه تعالى لمّا خلق القلم واللوح ، وسمّاهما العقل والرّوح ، فأعطى ( وأعطى ) الرّوح صفتين : صفة علميّة وصفة عمليّة ، وجعل العقل لها معلّما ومفيدا ، إفادة مشاهدة حاليّة ، كما تستفيد من صورة السكين القطع ، من غير نطق يكون منه في ذلك . وخلق تعالى جوهرا دون النفس الّذي هو الرّوح المذكور ، سمّاه الهباء - وهذه الإسمية له نقلناها من كلام عليّ بن أبي طالب عليه السّلام .
( خلق الهباء )
وأما الهباء ، فمذكور في اللّسان العربي وقال تعالى :
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا
[ الواقعة : 6 ] .
كذلك لما رآها علي بن أبي طالب - أعنى هذه الجوهرة - منبثة في جميع الصور الطبيعيّة كلّها ، وأنّها لا تخلو صورة منها ، إذ لا تكون صورة إلّا في هذه الجوهرة سماها هباء . وهي مع كلّ صورة بحقيقتها : لا تنقسم لا تتجزّى ولا تتّصف بالنقص . بل هي كالبياض الموجود في كلّ أبيض بذاته وحقيقته ؛ ولا يقال : قد نقص من البياض قدر ما حصل منه في هذا الأبيض . فهذا مثل حال هذه الجوهرة .
( المراتب الأربعة بين الرّوح والهباء )
وعيّن اللّه سبحانه بين هذا الرّوح ، الموصوف بالصفتين ( الصفة العلمية والصفة العملية ) ، وبين الهباء أربع مراتب ، وجعل كلّ مرتبة منزلا لأربعة