في نفسه أوّلا وإلّا فليس بمخترع حقيقة .
فإنّك إذا قدّرت أن شخصا علمك ترتيب شكل مّا ظهر في الوجود له ( مثل ) فعلمته ، ثمّ أبرزته أنت للوجود كما علمته ، فلست أنت في نفس الأمر وعند نفسك بمخترع له وإنّما المخترع له من اخترع مثاله في نفسه ، ثمّ علمكه ، وإن نسب الناس الاختراع لك فيه من حيث إنّهم لم يشاهدوا ذلك الشيء من غيرك .
فارجع ( أنت ) إلى ما تعرفه أنت من نفسك ، ولا تلتفت إلى من لا يعلم ذلك منك ، فإنّ الحقّ سبحانه ما دبّر العالم تدبير من يحصّل ما ليس عنده ، ولا فكر فيه ، ولا يجوز عليه ذلك ولا اخترع في نفسه شيئا لم يكن عليه ، ولا قال في نفسه : هل نعمله كذا وكذا ؟ هذا كلّه ما لا يجوز عليه ، فإنّ المخترع للشيء يأخذ أجزاء موجودة متفرقة في الموجودات ، فيؤلفها في ذهنه ووهمه تأليفا لم يسبق إليه ، وإن سبق فلا يبالي ، فإنّه في ذلك بمنزلة الأوّل الّذي لم يسبقه أحد إليه كما تفعله الشعراء والكتّاب والفصحاء في اختراع المعاني المبتكرة .
فثمّ اختراع قد سبق إليه فيتخيّل السامع أنّه سرقه ، فلا ينبغي للمخترع أن ينظر إلى أحد إلّا إلى ما حدث عنده خاصّة إن أراد أن يلتذّ ويستمتع بلذّة الاختراع ، ومهما نظر المخترع لأمر مّا إلى من سبقه فيه بعد ما اخترعه ربما هلك وتفطرت كبده .
وأكثر العلماء بالإختراع البلغاء والمهندسون ، ومن أصحاب الصنائع النجّارون والبنّاؤون ، فهؤلاء أكثر الناس إختراعا وأذكاهم فطرة وأشدّهم تصرّفا لعقولهم .
فقد صحّت حقيقة الاختراع لمن استخرج بالفكر ما لم يكن يعلم قبل
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 286
مساهمون: السيد حيدر الآملي
ص٢٨٦