تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
كلّ حاكم يكون سلطانا فانّ السّلطان من تكون له الحجّة لا عليه ، ولهذا جعل اللّه الأفلاك تدور علينا كلّ يوم دورة لتنظر الولاة ما تدعو حاجة الخلق إليهم فيسدّون الخلل ، وينفّذون أحكام اللّه تعالى من كونه مريدا في خلقه ، لا من كونه آمرا ، فينفّذون أحكامه الّتي أمرهم سبحانه أن ينفّذوها فيهم وهو القضاء والقدر في أزمان مختلفة فكلّ شيء بقضاء وقدر حتّى العجز والكيس ، وكلّ صغير وكبير مستطر في اللّوح المحفوظ فما فيه إلّا ما يقع ، ولا ينفّذ هؤلاء الولاة في العالم إلّا ما فيه ، واللّه على كلّ شيء رقيب . ومع هذا كلّه فإنّ اللّه له مع كلّ واحد من المملكة أمر خاصّ في نفسه يعلمه الولاة والحجّاب والنّقباء ، فمنهم لا يفقدون مشاهدة ذلك الوجه ، ذلك ليعلموا :
أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً
[ سورة الطلاق : 12 ] . وأنّه ، رقيب
عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
[ سورة الرّعد : 33 ] . و :
أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ
[ سورة فصّلت : 54 ] .

( استغفار الملائكة لمن في الأرض وللمؤمنين )

ولمّا جعل اللّه زمام هذه الأمور بأيدي هؤلاء الجماعة من الملائكة وأقعد من أقعد منهم في برجه ومسكنه الّذي فيه تخت ملكه ، وأنزل من أنزل من الحجّاب والنّقباء إلى منازلهم في سماواتهم ، وجعل في كلّ سماء ملائكة مسخّرة تحت أيدي هؤلاء الولاة وجعل تسخيرهم على طبقات ، فمنهم أهل العروج باللّيل والنّهار : من الحقّ إلينا ومنّا إلى الحقّ ، في كلّ صباح ومساء ، وما يقولون إلّا خيرا في حقّنا ومنهم المستغفرون لمن في الأرض ، ومنهم المستغفرون للمؤمنين ، لغلبة الغيرة الإلهيّة عليهم كما غلبت الرّحمة على المستغفرين لمن في الأرض ، ومنهم الموكّلون بإيصال الشرائع ، ومنهم أيضا الموكّلون باللّمّات ، ومنهم الموكّلون بالإلهام ، وهم الموصلون العلوم إلى القلوب ، ومنهم الموكّلون بالأرحام ، « ومنهم الموكّلون بتصوير ما يكون اللّه في الأرحام ، ومنهم الموكّلون بنفخ الأرواح ، ومنهم الموكّلون بالأرزاق » ، ومنهم الموكّلون بالأمطار ،