هامش
- بل يترك تحت غطاء الغبرة حتّى يعثر عليه السالكون للطريق إذا استكملوا شرط السّلوك .
فالّذي يذكر هو قرب العبد من ربّه عزّ وجلّ في الصّفات الّتي أمر فيها بالاقتداء والتخلّق بأخلاق الرّبوبيّة ، حتّى قيل : « تخلّقوا بأخلاق اللّه » ، وذلك في اكتساب محامد الصفات الّتي هي من صفات الإلهيّة من العلم والبرّ والإحسان واللطف ، وإفاضة الخير والرحمة على الخلق ، والنصيحة لهم وإرشادهم إلى الحقّ ومنعهم من الباطل ، إلى غير ذلك من مكارم الشريعة ، فكلّ ذلك يقرّب إلى اللّه سبحانه وتعالى ، لا بمعنى طلب القرب بالمكان بل بالصّفات .
وأمّا ما لا يجوز أن يسطر في الكتب من المناسبة الخاصة الّتي اختصّ بها الآدمي فهي الّتي يومئ إليها قوله تعالى :وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي[ سورة الإسراء : 85 ] .
إذ بين أنه أمر ربّاني خارج عن حدّ عقول الخلق ، وأوضح من ذلك قوله تعالى :فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي *[ سورة الحجر : 29 ] .
ولذلك أسجد له ملائكته ، ويشير إليه قوله تعالى :إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ[ سورة ص : 26 ] .
إذا لم يستحق آدم خلافة اللّه تعالى إلّا بتلك المناسبة وإليه يرمز قوله ( ص ) :
« إنّ اللّه خلق آدم على صورته » .
حتّى ظنّ القاصرون أن لا صورة إلّا الصّورة الظاهرة المدركة بالحواسّ فشبّهوا وجسموا وصوّروا ، تعالى اللّه ربّ العالمين عمّا يقول الجاهلون علوّا كبيرا .
ونختم الكلام بما قال صدر المتألهين في كتابه الأسفار الأربعة ج 1 ، ص 265 :
إنّ الباري تعالى خلّاق الموجودات المبدعة والكائنة ، وخلق الإنسانيّة مثالا لذاته وصفاته وأفعاله ، فإنّه تعالى منزّه عن المثل لا عن المثال ، فخلق النفس مثالا له ذاتا وصفاتا وافعالا ليكون معرفتها مرقاة لمعرفته ، وصيّرها ذات قدرة وعلم ، وإرادة وحياة ، وسمع وبصر ، وجعلها ذات مملكة شبيهة بمملكة بارئها ، يخلق ما يشاء ويختار لما يريد .
وقال في كتابه مفاتيح الغيب ص 32 : واعلم أن الباري وحدانيّ الذّات في أوّل الأوّلين ، وخليفة اللّه فرداني الذّات في آخر الآخرين ، « كما بدأكم تعودون » فاللّه سبحانه ربّ -