جمع عبرة وهي الاعتبار واشتقاقها من العبور وهو انتقال الجسم من موضع إلى آخر ، ولما كان الذّهن ينتقل من الشيء إلى غيره حسن إطلاق العبرة عليه ، وأكثر ما يختصّ إطلاق العبرة بانتقال ذهن الإنسان من المصائب الواقعة بالغير أو ( الأمور ) المكروهة له إلى نفسه فيقدّرها كأنّها نازلة به فيحصل له بسبب ذلك انزعاج عن الدنيا وانتقال الذهن إلى ما ورائها من أمر المعاد والرجوع إلى بارئه ويسمّى ذلك عبرة ، وكذلك من المصائب اللاحقة له في نفسه المذكّرة له بجناب العزّة والملفتة له بتكرارها عن دار البلوى والمحن ، فينتقل ذهنه بسببها إلى أنّ الدنيا دار البوار وأنّ الآخرة هي دار القرار ، وذلك كقصّة أصحاب الفيل ، وكقوله :
فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى
[ سورة النازعات : 26 ] .
وقوله تعالى :
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ
[ سورة الذّاريات : 21 ] .
وإن كان قد تستعمل العبرة في كلّ ما يفيد اعتبارا من طرف الإحسان أيضا ، كقوله تعالى :
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها
[ سورة المؤمنون : 21 ] .
وكقوله تعالى :
فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ
[ سورة آل عمران : 13 ] .
فجعل سبحانه نصر المؤمنين على قلّتهم ، وخذلان المشركين على كثرتهم ، ومشاهدة المسلمين لكونهم مثليهم محلّا مثليهم محلّا للعبرة ، إذ يحصل بذلك انتقال الذّهن من نعمه إلى أنّه الإله المطلق المستحقّ للعبادة ، المتفرّد بالقدرة على ما يشاء أهل الرحمة والجود وإفاضة تمام الوجود .
وأمّا الأمثال فظاهرة كقوله تعالى :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ
[ سورة النحل : 75 ] .