فلا ينبغي أن يقصّر نظره على النطفة والماء والنّار ، بل ينظر في المني وهو نطفة ، ثمّ في كيفيّة انقسامها إلى اللحم والعظم والعصب والعروق وغيرها ، ثمّ في كيفيّة أشكال أعضائها المختلفة من المستدير والطويل والعريض والمستقيم والمنحني والرّخوة والصلب والرقيق والغليظ ، وما أودع في كلّ من القوّة وهيّأ ( وهبا ) له من المنفعة الّتي لو اختلّ شيء منها لا لاختلّ أمر البدن ومصالح الإنسان ، فليتأمل في هذه العجائب وأمثالها ليترقّى فيها إلى عجيب قدرة اللّه تعالى والمبدأ الّذي صدرت عنه هذه الآثار ، فلا يزال مشاهدا لكمال الصانع في كمال صنعه .
وأمّا أحوال الأنبياء عليهم السّلام ، فليفهم من سماع كيفيّة تكذيبهم وقتل بعضهم صفة استغناء اللّه تعالى عنهم ، ولو هلكوا بأجمعهم لم يتضرّر بذلك ولم يؤثّر في ملكه ، فإذا سمع نصرتهم فليفهم أنّ ذلك بتأييد إلهيّ كما قال تعالى :
حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ
[ سورة يوسف : 110 ] .
وأمّا أحوال المكذّبين لهم كعاد وثمود وكيفيّة إهلاكهم فلينبّه من سماعه لاستشعار الخوف من سطوة اللّه ونقمته وليكن حظّه منه الاعتبار في نفسه ، وأنّه إن غفل وأساء الأدب فربّما أدركته النقمة ونفذت فيه القضيّة حيث لا ينفع مال ولا بنون ، وكذلك إذا سمع أحوال الجنّة والنّار فليحصل منهما على خوف ورجاء وليتصوّر أنّه بقدر ما يبعد عن أحدهما يقرب من الآخر ، وليفهم منها ومن سائر القرآن أنّ استقصاء ما هناك من الأسرار الإلهيّة غير ممكن لعدم نهايته ، قال تعالى :
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً
[ سورة الكهف : 109 ] .
وقال عليّ عليه السّلام :
لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب « 137 » .
هامش
( 137 ) قوله : لو شئت لأوقرت .