( أوّل الأشقياء من الجنّ هو إبليس )
وأكثر النّاس يزعمون أنّه أوّل الجنّ وهو بمنزلة آدم من النّاس ، وليس كذلك عندنا ، بل هو واحد من الجنّ ، وانّ الأوّل فيهم الّذي بمنزلة آدم من البشر إنّما هو غيره ، ولذلك قال تعالى :
( إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ
[ سورة الكهف : 50 ] .
أي من هذا الصّنف من المخلوقين ، كما كان قابيل من البشر وكتبه اللّه شقيا ، فهو أوّل الأشقياء من البشر ، وإبليس أوّل الأشقياء من الجنّ ، وعذاب الشّياطين من الجنّ في جهنّم أكثر ما يكون بالزّمهرير لا بالحرور ، وقد يعذّب بالنّار ، وبنو آدم أكثر عذابهم بالنّار .
ووقفت يوما على مخبول العقل من الأولياء ، وعيناه تدمعان وهو يقول للنّاس :
لا تقفوا مع قوله تعالى :
( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ )
[ سورة ص : 85 ] .
لإبليس فقط ، بل انظروا في إشارته سبحانه لكم بقوله لإبليس : جهنم منك ، فإنّه مخلوق من النّار فيعود لعنه اللّه إلى أصله ، وإن عذّب به فعذاب الفجّار ( الفخار ) بالنّار أشدّ ، فتحفّظوا ، فما نظر هذا الولي من ذكر جهنم إلّا النّار خاصّة ، وغفل عن أن جهنم اسم لحرورها وزمهريرها ، وبجملتها ( لجهامتها ) سمّيت جهنّم لأنّها كريهة المنظر ، والجهام : السّحاب الّذي قد هرق ماءه ، والغيث رحمة اللّه ، فلمّا أزال اللّه الغيث من السّحاب بإنزاله ، أطلق عليه اسم الجهام ، لزوال الرحمة الّذي هو الغيث عنه ، كذلك الرّحمة أزالها اللّه من جهنّم فكانت كريهة المنظر والمخبر ، وسمّيت أيضا جهنّم لبعد قعرها ، يقال :
ركيّة جهنام ، إذا كانت بعيدة القعر ، نسأل اللّه العظيم لنا وللمؤمنين ، الأمن منها ، ويكفى هذا القدر من هذا الباب .
وهذا آخره ، وكان الغرض منه بحث الملك ، والجنّ ، وآدم ، وإبليس ، ولها ذكر الجنّة والجحيم ، والبرزخ وغير ذلك ، فسيجيء في آخر المقدّمة السّادسة ، مبسوطا مفصّلا من كلامنا وكلام الشيخ أيضا ، والحمد للّه وحده .