[ سورة المزمل ( 73 ) : آية 6 ]
إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً ( 6 )
قوله تعالى :
إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا
( 6 ) : تهجد الليل وساعاته موافقة لقلوب أهل مناجاته ، وأسهل من طاعة النهار من أهل مراقباته ؛ لما فيها من كشوف مشاهداته لهم ، وحلاوة مخاطباته ، أشد ناشئة لأهل المجاهدات ، وأسهل لأهل المشاهدات ، وأقوم قيلا قول الناجي ربه عند شكواه في ظهور عظمته من فقدان كلّيته .
قال سهل : ما ينشئه العبد من عبادة الليل ، هي أشد مواطأة على السمع والقلب ، من الإصغاء والفهم ، وأقوم قيلا ، وأثبت رتبة .
وقيل : أصوب قولا ؛ لأنه أبعد من الرياء .
وقيل : عبادة الليل ، أتمّ إخلاصا ، وأكثر بركة .
[ سورة المزمل ( 73 ) : آية 7 ]
إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً ( 7 )
قوله تعالى :
إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا
« 1 » أي : في نهار المشاهدة ، وكشفها لك في بحر الأزل والأبد ، سباحة طويلة سباحة النهار غوص الروح في بحر الآيات ؛ لطلب جواهر الصفات .
قال ابن طاهر : اشتغالا بالخدمة ، وإقبالا على اللّه ، وانتظارا لموارد الوحي .
[ سورة المزمل ( 73 ) : آية 8 ]
وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً ( 8 )
قوله تعالى :
وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا
أي : إذا أردت أن تسبح في بحر جلالنا وقربنا وتريد أن تلقي نفسك فيها انقطع عن حدثان ، واطرح نفسك فيها بتأييد الرحمن ، واعتصم باسمه ، فإذا اعتصمت باسم اللّه لا تفنى في اللّه ، هذا إذا ذكر قوله :
وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ
، فكيف يكون إذا قال :
وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ
، فإن في الاسم يبقى ، وفي المسمّى يفنى ، دعاه أولا إلى ذكره ، ثم دعاه إلى مذكوره ، أي : اذكرني بذكري ، ثم انقطع من الذكر إليّ ومني إلىّ ، فالأول في الذكر حظّ العبودية ، وفي الثاني حظّ الربوبية ، فإذا ظهر حظّ الربوبية يفنى حظّ العبودية .
قال ذو النون : سبحان من دلّى من الذكر أغصانا إلى الدنيا ، أشجارها في الملكوت ، وأطعم القلوب من ثمارها ، فأشفقهم في الدنيا والآخرة ، هذا فعل الذكر به ، فكيف إذ بهجهم
هامش
( 1 ) أي : سبحا في أعمالك ، والسبح : الذهب والسرعة ، ومنه السباحة في الماء ، فالمعنى : مذاهبك في النهار فيما يشغلك كثيرة ، والليل أخلى لك . تفسير القشيري ( 7 / 494 ) .