تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 461

مساهمون:

ص٤٦١
الذي خصّه اللّه به دون غيره ، وهذا كقوله :
فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
، وتسميته بالمزمل ؛ لأنه مخفيّ عن عيون أهل الحدثان لا يطّلع على ما خصّه اللّه به من لطفيات قربه ، وغرائبات دنوه أحد من العرش إلى الثرى ، أي : قم عن مكمن الغيب ، وأظهر شرائفات اصطفائيتك برفعك أعلام نبوتك ، ورايات رسالتك ، فإنك مؤيد منصور ، كان متزمّلا بكساء لاطلاعه بامتناع أحدية الأزل ، بألا يدركها أهل الحدثان ، فمن هموم فقدانها دخل تحت كساء الحياء والإجلال من ظهور عظمة الحق له ، وهو في منزل بين رجاء الوجدان وخوف الفقدان . قال ابن عطاء : أيها المخفي ما يظهره عليك من آثار الخصوصية آن آوان كشفه ، فأظهره ، فقد أيدناك ممن يتبعك ولا يخذلك ولا يخالفك ، وهو أبو بكر الصديق ، وعلي بن أبي طالب . وقال القاسم : يا أيّها المزمل بالنبوّة ، ويا أيّها المدّثر بالرسالة . [ سورة المزمل ( 73 ) : آية 4 ] أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ( 4 ) قوله تعالى :
وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا
أي : غص في بحار القرآن ، فإن فيها جواهر أسرار الرحمن ، واسكن عند كشوف معنى أسرار خطابي من القرآن ، حتى تستوفي حقائقها ، فإن تحت كل حرف بحر من رموز لطائف القدم ، فإن مثلك يسبح في بحر صفاتي ؛ لذلك أفردتك بهذا الخطاب . قال أبو بكر بن طاهر : دثّر في لطائف خطابه ، وطالب نفسك بالقيام بأحكامه ، وقلبك بفهم معانيه ، وسرك بالإقبال عليه . [ سورة المزمل ( 73 ) : آية 5 ] إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ( 5 ) قوله تعالى :
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
( 5 ) : كيف لا يثقل قوله سبحانه ، قوله قديم ، وأجدر أن تذهب تحت سطوات عزته الأرواح ، والأشباح ، والأكوان ، والحدثان هو بذاته يحمل صفاته لا غير ، وكان صلى اللّه عليه وسلم مؤيدا بالاتّصاف بالحق ، فكان يحمل الحق بالحق لطائفه لطيفة على قلبه ، ثقيلة على من لا يفهمها ؛ إذ القرآن بجماله حيث انكشف ، صار لطيفا على أهله ، وحيث لا ينكشف ثقيل على غير أهله . قال أبو بكر بن طاهر : لا يحمله إلا قلب مؤيّد بالتوفيق ، ونفس مزيّنة بالتوحيد ، وهو قلبك ونفسك يا محمد ، ومن يطيق حمل ما أطقته من تلقف الخطاب عن المشاهدة ، لأنك مؤيّد بالعصم .