تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 567

مساهمون:

ص٥٦٧
وطلب الرياسة والعلو ، وحب الدنيا ؛ فإن هذا كله مما يضر بالمؤمن . قال الواسطي : للعلم طغيان ، وهو تفاخر به ، وللمال طغيان ، وهو البخل ، وللعمل والعادة طغيان ، وهو الرياء والسمعة ، وللنفس طغيان ، وهو اتباع شهواتها .

[ تفسير الآية 76 ]

ثم بيّن أنه تعالى ابتلاهم بعذاب الفرقة ، ولم يتحسروا بذلك ، وما أرادوا الرجوع إليه بنعت التصريح بقوله :
وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ ( 76 )
أفرد أرواحهم في مبادئ العهد بشهود نور جماله لها وخطابه معها ، فلما وصلت الأشباح ابتلاها بحجاب النفوس والشياطين ، ولم ترجع إلى طلب معادنها ؛ فشكا اللّه سبحانه عنها ، ومن حق معرفتها أنها تفنى براءة الحجاب والخطاب بالعتاب ، وهذا وصف بعض العارفين الذين هاموا في أودية الكبرياء والعظمة ، ولا يجدون لذة الوصال والجمال من صولة التوحيد ؛ فوقعوا في بحار الأولية ، وباشروا بالجرأة ما يوجب العتاب ، فلم يلتفتوا إلى مراعاة الرجوع لاستكبارهم بمقاماتهم العظيمة ، ولا يهتمون على فوائت حظوظ المشاهدة يا ليت لو علموا خفايا مكره لتضرعوا واستكانوا حتى يكشف ما وراء أحوالهم من عظائم غيوبات الصفات ، وعجائب كشوف الذات ، التي لو شاهدوها لذابوا ساعة بنعت الفناء في القدم ، ولتاهوا ساعة بنعت البقاء مع السكر والصحو في الأبد . وافهم أن اللّه سبحانه وقع المريدين في موت الفوت ؛ فجاهدوا أنفسهم بأنواع العبادات والرياضات ، ولو استعاذوا به ، واستعانوا لسهل عليهم طريق الرجوع إليه ، فأين هم من التضرع والبكاء ، وتعفير الوجوه بالتراب على فناء وحدانيته وجناب ديموميته ؟ وبهذا وصل الواصلون إلى اللّه . قال سهل : ما أخلصوا لربهم في العبودية ، ولا ذلوا له بالوحدانية . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 91 إلى 95 ] مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 91 ) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 92 ) قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ ( 93 ) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 94 ) وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ ( 95 )

[ تفسير الآية 91 ]

قوله تعالى :
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ
نزه نفسه سبحانه عن مخايل الزنادقة ، وكان منزها عن أباطيل إشارة المشبهة ، وذاته ممتنع بكمال أحديته عن زعم الثنوية ، كيف يجوز أن يكون القدم محل الحوادث إذ القدم المنزه إذا تجلى بنعت القدم