اليقين ؛ فشاهدوا في مقام عين اليقين ، وارتفع عن قلوبهم كل شكّ ، وريب ثم نقلهم من تلك المقامات كلها إلى منازل الخوف ، فنازلوا الإشفاق والحذر والخشية ، فوجلت قلوبهم من تلوين الأحوال عليهم ، وهم من خشية ربهم مشفقون .
وقال النهر جوري : هم القائمون مع اللّه من حيث قام لهم ، ومن حيث يرون قيام اللّه لهم ؛ فهم في أحوالهم مشفقون .
[ تفسير الآية 62 ]
وفي قوله تعالى :
وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
أن اللّه سبحانه خلق النفوس الروحانية من عالم الملكوت ، وهي صدرت من فيض لطف صفاته ؛ فهي تحمل أمانات معرفة ربوبيته ، وهي تطيق حمل ما رد تجلي الذات والصفات إذ هي محمولة بمطايا أنوار العناية والكفاية ، وخلق النفوس الإنسانية من عالم أنوار الفعل ، وهي صدرت من تواثير سلطان قهر القدم ، وهي مجبولة لحمل أثقال العبودية إذ هي محمولة بمطية ذلك القهر ؛ فكانت النفوس مطايا حمل الربوبية والعبودية ، وهي تسعها به لا بها .
لذلك قال عليه السلام حاكيا عن اللّه تعالى : « لم يسعني السماوات والأرض ويسعني قلب عبدي المؤمن » « 1 » ؛ فإذا جاءت بنعت الإشفاق إلى مشاهدة الذات والصفات ، وبنعت العجز عن مقابلة الجبروت ، وعجزها عن حمل عزة الملكوت ، خرست عن الأعذار يعتذر صانعها بنطق أزلي بأنها صادرة من الحدثان غير مخلوقة لحمل أصل القدم ، قال تعالى :
وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ
يشهد لها لا عليها
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 62 )
بأن القدم بوصف القدم يكون حملها بل يكون حملها على قدر وسعها .
قال الجريري : لم يكلف اللّه العباد بمعرفته على قدره ، وإنما كلفهم على أقدارهم ، فقال :
وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
، ولو كلفهم على قدره ومقداره لجهلوه وما عرفوه ؛ لأنه لا يعرف قدره أحد سواه ، ولا يعرفه على الحقيقة سواه ، وإنما ألقي إلى الخلق منها اسما ورسما إكراما منه لهم بذلك ، وأما المعرفة ؛ فإنها التحير والتّيهوية .
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 71 إلى 73 ]
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ( 71 ) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 72 ) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 73 )
هامش
( 1 ) ذكره المناوي في « فيض القدير » ( 2 / 496 ) ، والعجلوني في « كشف الخفاء » ( 2 / 255 ) .