تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 546

مساهمون:

ص٥٤٦
ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
أزال المخائيل والأوهام والعقول عن إدراك جلاله وقدره ، وهذا شكاية اللّه عن إشارة الخلق إليه بما هو غير موصوف به ذكر غيرته إذا أقبلوا إلى غير من هو موصوف بالقوة الأزلية والعزة السرمدية ، ألا ترى كيف قال اللّه :
إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 40 )
. قال الواسطي : لا يعرف قدر الحق إلا الحق ، وكيف يقدر قدره أحد وقد عجز عن معرفة قدر الوسائط والرسل والأولياء والصديقين ، ومعرفة قدرة ألا تلتفت عنه إلى غيره ، ولا تغفل عن ذكره ، ولا تفتر عن طاعته إذ ذاك عرفت ظاهر قدره ، وأما حقيقة قدره فلا يقدر قدرها إلا هو .

[ تفسير الآية 75 ]

ثم بيّن سبحانه أنه اصطفى من الملائكة ، ومن الناس رسلا يخبرون عنه ما يتعلق بعجز الخلق عن إدراكه من وصف ذاته وصفاته بقوله :
اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ
، الملائكة وسائط الأنبياء والأنبياء وسائط العموم والأولياء للأولياء خالصة . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 77 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 77 )

[ تفسير الآية 77 ]

قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ
هذا خبر عن مقام المكاشفة في المراقبة أي : إذا شاهدتم مشاهدة الكبرياء اركعوا ، وإذا شاهدتم مشاهدة العظمة اسجدوا ، وإذا شاهدتم جمال ربوبيته أفنوا في العبودية :
وَافْعَلُوا الْخَيْرَ
تخيرون عن هذه المقامات طلاب معرفتي
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
بي عني ، وتظفرون بعد فنائكم في ببقائكم مع بقائي . قال ابن عطاء : اركعوا واسجدوا واخضعوا وانقادوا لأوامره وسلموا لقضائه وقدره تكونوا من خالص عباده ، وافعلوا الخير ابتغاء الوسيلة لعلكم تفلحون أي : لعلكم تجدون الطريق إليه ، ثم أمرهم بحق الجهاد لوجدان حقيقة المعاد ، والرجوع إلى المراد ؛ لأن ما أمرهم بالركوع والسجود على مقادير العبودية ، وطلب حق الربوبية في العبودية منهم بقوله :
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ
لا تظن أن هذا الأمر أمر مستحيل من حيث عجز الخلق عن درك إدراك حقيقته ، إنما أراد بهذا الأمر فناء الخليقة في الحقيقة ، وهذا ممكن خاصة أنه