تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 545

مساهمون:

ص٥٤٥
وشواهد أسرارهم من ظلمة الإنكار تظهر عن سواد وجوههم عند سماع الخطاب ، يعرفها كل بصير باللّه ، ومن كمال شقاوتهم لا يعرفون أصلا من أصل ، ونورا من نور ، وجلالا من جلال ، وقدما من قدم ، وأزلا من أزل الذي مصادره أوجدتهم يا ليتهم يعرفون مصادر القهريات التي نقضتهم إلى ميادين الغفلة ؛ فإنهم لو يبصرون معادن فطرتهم لا يخالفون ما يصدر من معادن اللطفيات ، فإن جميع المصادر الأزلية واحدة من جميع الوجوه . قال أبو بكر بن طاهر : يتبين في شواهد المعرضين عنا آثار الوحشة وظلمة المخالفة ؛ لأن الظواهر إنما أشرقت بالسرائر ، والسرائر أشرقت بأنوار الحق ؛ فمن كان سره في ظلمة وإنكار كيف يلوح آثار الأنوار على شاهده ، وكل شاهد ، شاهد الأعراض والأكوان هو في ظلمة حتى شاهد الحق ، ولا يشاهد معه غيره إذ ذاك يلوح عليه أنوار مشاهدة الحق ، قال اللّه تعالى :
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ
. [ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 73 إلى 76 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ( 73 ) ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 74 ) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( 75 ) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 76 )

[ تفسير الآية 73 ]

قوله تعالى :
وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
بيّن اللّه سبحانه ذل الخليقة تحت قهر سلطانه وعظمة كبرياء قدمه لئلا يقبل على معدن الضعف ، وذل من يطلب العز السرمدي ؛ فإن الخليقة ممنوعة عن قوة قادرية أحدية ، وكيف يكون لها مشيئة وقدرة وجميعها في قبضة الجبروت عاجزة أسيرة لعزته ، وجلاله ، دعا الخلق بنعت الإقبال إليه بلسان الغيرة عن الإقبال على معادن الحدثية ليكونوا عارفين بعز الربوبية وذل الخليقة . قال ابن عطاء : دلهم بهذا على مقاديرهم ؛ فمن كان أشد هيبة ، وأعظم ملكا لا يمكنه الاحتراز من أهون الخلق وأضعفه ؛ ليعلم بذلك عجزه وضعفه وعبوديته وذلته ، ولا يفتخر على أبناء جنسه من بني آدم بما يملكه من الدنيا . قال أبو بكر بن طاهر : « ضعف الطالب » أن يدركه ، والمطلوب أن يفوته .

[ تفسير الآية 74 ]

ثم بيّن سبحانه بعد ذكره عجز الخلق والخليقة جلال قدرة الذي لا يعرفه غيره بقوله :