تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
وإذا حان وقت إرخاء الحجب يرونه قبل ذلك ، وهذا لعموم المريدين والمؤمنين . فأما العارفون والمحبون والمشتاقون والموحدون فهم في منازل وصاله وكشف جماله بالسرمدية ، ولا ينقطعون عنه لمحة ، ولو احتجبوا لحظة لماتوا في الجنة من فوت ذلك الحال ، ولو بقي أهل الجنة في مشاهدة الحق على الدوام لذابوا من صولة سطوات جلاله وجماله . قال أبو يزيد - قدس اللّه روحه : « لو احتجبت في الجنة عن لقائه لمحة أنغص العيش على أهل الجنة » . قال محمد بن عيسى الهاشمي : ردّ الأشباح إلى قيمتها عن المطعم والمشرب بكرة وعشيّا ، وتزاد الأرواح والأسرار عن ذلك بقوله :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ
[ الدخان : 51 ] ، وهو مقام لا ينزله إلا من كان ظاهر الأمانة سرّا وعلنا .

[ تفسير الآية 63 ]

ثم بيّن سبحانه أن تلك الجنة ، والمشاهدة الكريمة الأزلية لمن كان متبرئا بهمته عن الكونين ، وبسره عن الدارين ، وبعقله عن العالمين ، وبحقيقته عن نفسه ، وعن جميع الخلائق بقوله :
تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا
الجنات هي منازل شتى جنة المحبة ، وجنة المعرفة ، وجنة التوحيد ، وجنة رؤية أنوار الفعل ، وحكم الغيب فيها ، وأسرار المقادير ، وجنة منها رؤية أنوار الصفات ، ومشاهدة كل صفة للعارفين جنة وعيان الذات جنان ، وهو أصل كل جنة ، فأهل الحق في كل لحظة في جنة من هذه الجنان ، وأوصافهم التبري من غير اللّه ، فإذا خرج عن الأكوان والحدثان فأورثه الحق تلك الجنان ، وحاشا أنها مقرونة باكتساب الحدث ، بل اصطفاهم في الأزل بتلك الخاصية ، ووقاهم من محن الامتحان والحرمان ، وأعطاهم حسن وصاله ، وكشف لهم من جلاله وجماله . قال بعضهم في هذه الآية : نجعلها لم يطلبها بفضلنا لا بعمله ؛ فإن الجنة ميراث سعادات الأزل لا ميراث الأعمال والعمل سمة ربما يتحقق ، وربما لا يتحقق والتقوى نتيجة تلك السعادة . قال الواسطي : إذا بلغت العقول الغاية ، وبلغ بها النهاية ؛ فحاصلها يرجع إلى حدث يليق بحدث ، وحسبك من ذلك قوله :
تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا
لما كان التقوى وصفك قابلك بما يليق بك ، وأعلمك أنه غاية ما يليق بتقواك ، ونهايتك في نجواك .

[ تفسير الآية 65 ]

ثم إن اللّه سبحانه ذكر وصفه وربوبيته وسلطته وكبريائه وإحاطته بجميع الأشياء علما وقدرة وحكما وإثباتا لحقوق الربوبية على أهل العبودية بقوله :
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما *
وصف ارتسام السماوات والأرض ، وانتظام ما بينهما باصطناع قدرته ، وإحاطة