تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥
والقربات المداناة بقوله :
أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ
. ثم وصفهم مع ما أنعم عليهم بالخشوع والخضوع والبكاء والوجد في السجود بعد ما أعطاهم الاصطفائية والاجتبائية والمعرفة والإصابة والحكمة والمشاهدة والشوق والمحبة ، انظر إلى ذكر هيجانهم وشوقهم إلى لقائه ، ووجدهم بقربه ، وحركاتهم في إجلاله عند نزول الآيات عليهم بقوله تعالى :
إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا ( 58 )
ما أطيب ذلك البكاء ، وما أحلى ذلك السجود ، بكاؤهم من رؤية عظمته ، وسجودهم من كشف عزته ، وحركاتهم من شدة شوقهم إلى معادن المشاهدات وأسرار المداناة .
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد * فقد زادني مسراك وجدا على وجدي
بكلّ تداوينا فلم يشف ما بنا * على أنّ قرب الدّار خير من البعد

[ تفسير الآية 59 ]

ثم إن اللّه سبحانه ذكر المخالفين عقب ذكر الأنبياء والمرسلين ، وذمهم بزوغانهم عن سبل أهل السعادة ، واقتحامهم غيابات أهل الضلالة بقوله :
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ
لما استكبروا عن متابعة أهل الحق ، وادعوا بالدعاوى الباطلة ، سقطوا عن أعين القوم ، واحتجبوا بما رأوا من أنفسهم من الترهات والطامات والمزخرفات والأباطيل من الخيالات والمحالات عن لطائف الطاعات ، ومقام المناجاة ، وحسن المراقبات ، ووقعوا في ورطات الشهوات ، وصاروا أئمة الضلالات . قال محمد بن حامد : أولئك قوم حرموا تعظيم الأنبياء والأولياء والصديقين ، فحجبهم اللّه من معرفته ، وأصابتهم شقاوة تلك الحال ؛ فأضاعوا الصلاة التي هي محل وصلة العبد مع سيده ترسموا بها ، ولم يتحققوا فيها ، واتبعوا آراءهم وأهواءهم فأصابهم الخذلان حرموا بذلك السعادة ، وأثر الشقاوة على العبيد هو حرمان الخدمة ، وتصغير من عظم اللّه حرمته . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 62 إلى 66 ] لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 62 ) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا ( 63 ) وَما نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ( 64 ) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ( 65 ) وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ( 66 )

[ تفسير الآية 62 ]

قوله تعالى :
وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا
الرزق هناك حقيقة كشف مشاهدة الحق ورؤية جماله ووجدان وصاله ، فكل وقت ينكشف جماله لهم ، فذلك الوقت بكرتهم ،