تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠
وفيه إشارة : إنه وإن كان في الحضرة يخدم صانعه ، ويتواضع لخالقه ؛ لأن عبوديته أفخر المفاخر له . قال اللّه تعالى :
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
[ النساء : 172 ] . وقال الجنيد في قوله :
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ
: ليس بعبد هوى ولا عبد طمع ولا عبد شهوة .
آتانِيَ الْكِتابَ
خصني بخصائص الأسرار ، وجعلني نبيّا مخبرا عنه خبر صدق . وقال ابن عطاء : لما علم اللّه في عيسى ما علم من أن يتكلم فيه من أنواع الكفر أنطقه أول ما أنطقه بقوله :
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ
ليكون ذلك حجة على من يدعي فيه ما يدعي إذ قد شهد هو اللّه بالعبودية . وقال أيضا في قوله :
مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ
إنفاعا للناس كافي الأذى . قال الواسطي :
وَجَعَلَنِي مُبارَكاً
عارفا باللّه داعيّا إليه . وقال الجنيد : مباركا على من صحبني ، وتبعني أن أدله على الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة . وقال ابن عطاء في قوله :
وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ
: أمرني بمواصلته ، وطهارة السر عما دونه
ما دُمْتُ حَيًّا ( 31 )
بحياته . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 32 إلى 40 ] وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا ( 32 ) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ( 33 ) ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ( 34 ) ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 35 ) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 36 ) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 37 ) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 38 ) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 39 ) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ( 40 )

[ تفسير الآية 32 ]

قوله تعالى :
وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا
ما دام أقرّ بالعبودية ، وأخبر عن خاصية النبوة ؛ كيف يكون جبارا مستنكفا من عبادته شقيّا عن رجاء وصاله ؟ قال سهل : أي : جاهلا بأحكامه ، ولا متكبرا عن عبادته .