تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
وهذا رحمته على كل مريد من صعقه لا يبلغ سر روحه إلى القدم ؛ فيبصر جمال القدم في مرات الحدث ، وأي آية أحسن من هذه الآية ظهر الحق بعزته ، وقدسه عن التشبيه والتعطيل من وجه موسى وعيسى ومحمد - صلى اللّه عليهم وسلم ؛ لذلك أشار عليه السلام بقوله : « جاء اللّه من سيناء ، ويستعلن بساعير ، وأشرق من جبال فاران » « 1 » . قال أبو بكر بن طاهر : في هذه الآية علامة دالة على تصحيح الربوبية ، ورحمة لمن آمن به ، ولم يدع فيه ما لم يدعيه لنفسه .

[ تفسير الآية 23 ]

قوله تعالى حكاية عنها :
يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا
تحيرت بين أمرين بين غيبتها عن رؤية سوابق التقدير في الأزل يكون عيسى آية اللّه في بلاد اللّه وعباده ، وبين حياتها في رؤية جلال الحق مما زعم الكفر حيث قالوا بألوهيتها وألوهية ابنها ، فأرادت أنها ما كانت ولم تكن ، وتكون فانية مضمحلة من حياء خالقها وعلمها بتنزيه جلاله ، وقدس جماله عن علة المخلوقات جميعا ، وممكن أنها قالت ذلك لمعارضتها جبريل بقوله :
أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ *
. قال ابن عطاء : لما رأت قومها قد أثموا في أمرها رجعت باللائمة على نفسها ؛ فقالت :
يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا
. وقال بعضهم : يا ليتني مت قبل أن يظهر فيهم آفة أكون أنا سببها . وقال جعفر : يا ليتني مت قبل أن أرى لقلبي متعلقا دون اللّه . قال بعضهم :
يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا
قبل أن يقال فيّ ما قيل من قولهم : ثالث ثلاثة . وقال أبو بكر بن طاهر : أي : ليتني مت في أيام كفاية التوكل قبل أن رددت إلى عناء الطلب بقوله :
وَهُزِّي إِلَيْكِ
.

[ تفسير الآية 25 ]

قوله تعالى :
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ
خاطبها الحق سبحانه بعد غلبة الحزن على قلبها عند سماع أقوال المبطلين ليسلي قلبها بأنه منزه عن خطرات الأكوان ، وعلة الحدثان ، وأقوال الحرمان ، وألبسها لباس أنوار قدرته ، وجعلها عينا من عيون جمعه حتى عرفت مكانتها من جوهر القدس ، ومعدن روح القدس ، والكلمة القائمة بعزته ، فقالت الأعيان لها بأنها هزت نخلة يابسة ؛ فأسقطت عنها رطبا جنيّا . وقال الواسطي : كانت يابسة لما حركت اهتزت واخضرت وأطلعت وسقطت . فقال : كما أن اللّه تولى النخلة بما عاينت تولى عيسى في إظهاره من غير فحل . قال ابن عطاء : لما كانت مجردة رزقت بغير حركة وكسب فلما تعلق قلبها بعيسى قال
هامش
( 1 ) ذكره القرطبي في « التفسير » ( 3 / 159 ) .