تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
قال بعضهم : الروح شعاع الحقيقة ، تختلف آثارها في الأجساد . وقال بعضهم : الروح لطيفة تسري من اللّه عز وجلّ إلى أماكن معروفة ، لا يعبر عنه بأكثر من موجودها بإيجاد غيره . وقال الواسطي : لما خلق اللّه أرواح الأكابر ردّها بمعرفته بها ، فأسقط عنها معرفتها به ، وأسدى إليها علمه بها ، فأسقط عنها ما علمت منه ، فمعرفتها معرفة الحق إياها ، وعلمها علم الحق بها ، فصورها بوده إياها على محابها . قيل : الروح لم تخرج من الكون ؛ لأنها لو أخرجت من الكون لكان عليها الذل ، فقيل : من أي شيء أخرجت ؟ من بين جماله وقدس جلاله بملاحظة الإشارة ، وغشاها بجماله ورداها بحسنه ، واستمالها بسلامه ، وحياها بكلامه ، فهي معتقة من ذل
كُنْ
[ الأنعام : 73 ] . وسئل أبو سعيد الخرّاز : عن الروح مخلوقة هي ؟ قال : نعم ، ولولا ذاك لما أقرّت بالربوبية حين قالت : بلى ، والروح هي التي أوقعت على البدن اسم الحياة ، وبالروح ثبت العقل ، وبالروح قامت الحجة ، ولو لم يكن الروح كان العقل متعطلا لا حجة عليه ولا له . سئل الواسطي عن الأرواح : أين كان مكانها حين أظهرها ؟ فقال : إنّ الأرواح خلقها وقبضها قبل الأجساد ، أين كانت صار ما عاين عيانا ؛ لأنّ الدنيا والآخرة عند الأرواح سواء . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 100 إلى 104 ] قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً ( 100 ) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً ( 101 ) قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً ( 102 ) فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً ( 103 ) وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً ( 104 )

[ تفسير الآية 100 ]

قوله تعالى :
قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً
أخبر سبحانه عن سجية النفس الأمارة الإنسانية أنها خلقت بخيلة حريصة على الدنيا ، وجمعها ومنعها لعميها عن رؤية الآخرة وبقائها ، وعن معرفة الدنيا وفنائها ، وهذه النفس إذا قورنت بالروح الصادقة العاشقة ، والعقل القدسي ، والقلب الملكوتي ، والسر الجبروتي تذوب عن خلقها وتزول عن بخلها ، وصارت ساكنة عن الحرص ، سخية بالبذل ، وهذه نفس الأولياء ، ونفس الأنبياء خلقت سخية غير حريصة ، ونفس العامة