تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
والتمكين .
وَنَذِيراً
لمن تقاعد عن أمره ، ولم يعرف مكانه .
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ
أي : ما أنزلنا القرآن إلا بعد زوال بشرية النبي صلى اللّه عليه وسلم بالكلية في مقام الفناء ، وانتفاء الحدثان عن وجه القدم ، وانقشاع ظلمة الإمكان عن سبحات الوجه الواجب الباقي بالفرق الثاني ؛ ليكون له محل وجودي ، فما كان إنزاله إلا ظهور أحكام التفاصيل من عين الجمع وجدوه مطابقا لما اعتقدوه ، فإن الاعتقاد والحق لا يكون إلا واحدا . قال جعفر رضي اللّه عنه : الحق أنزل على قلوب خواصه من مكنون فوائده ، وعجائب بره ، ولطائف صنعه ، ما نوّر بهم أسرارهم ، وطهّر بها قلوبهم ، وزيّن بها جوارحهم ، وبالحق نزل عليهم هذه اللطائف . وقال ابن عطاء : مبشرا لمن أقبل عليك ، ونذيرا لمن أعرض عنك . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 107 إلى 109 ] قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً ( 107 ) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً ( 108 ) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ( 109 )

[ تفسير الآية 108 - 107 ]

قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً
أراد ب
أُوتُوا الْعِلْمَ
أوتوا المعرفة ، وأوتوا الأرواح الناطقة بالحق العارفة بالحق ، العالمة على الحق ، في بدء أمرها قبل الكون ، ومن قبل ظهور الشرائع والعبودية ، سامعة للحق من الحق بلا واسطة ولا حجاب ،
إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ
بعد كونهم في الأشباح تكون معرجة من محبة اللّه ، متحركة بشوق اللّه ، مستروحة بلذة خطاب اللّه ، عارفة بمراده ، خاضعة لأمره ، إذا سمعوا كلام الحق استلذوا محبته في قلوبهم ، فيهيجهم إلى بذل الوجود والخضوع بين يدي جبروته ، فلا حيلة لهم إلا وضع وجوههم على التراب خنوعا لجبروته ، ومعرفة بعظم ملكوته ، ويذكرون اللّه وينزهونه ويقدسونه عن الأضداد والأنداد ، وعن الشرك والشريك في ملك ربوبيته ، وذلك قوله :
وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا
.

[ تفسير الآية 109 ]

ثم زاد في وصفهم بالخوف عنه وإجلال جلاله بنعت البكاء والخشية بقوله :
وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً
بكاؤهم من شوقه إلى جماله ، وحبّا للقائه ، وتعظيما لعظمته ، ما أطيب هذا البكاء ، وما ألذّ هذا الخشوع ، بكاؤهم منه عليه ، يبكون من الفقدان في الوجدان ، ومن الوجدان في الفقدان ، ومن الحضور في الغيبة ، ومن الغيبة إلى الحضور ، والسرور بالشهود ، وحسن الإقبال عليه ، وخوف إعراضه عنهم .