تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
عجيب ، وعلم غريب ، وهو نزاهة نفسه ، وعظيم علمه بربه ، فبلغ هذا الخطاب به من الخوف والوجل من ربه ؛ حتى كاد أن يساوي خوف الواقعين للمخالفة ، وهذا الفرق بين الخواص والعوام أنهم يخافون في الهمة ما لا يخافه العوام في المواقعة . وقال ابن عطاء : عاتب الأنبياء بعد مباشرة الزلّات ، وعاتب نبينا صلى اللّه عليه وسلم قبل وقوعه ، ليكون بذلك أشد انتباها وتحفظا لشرائط المحبة ، فقال :
وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا
. [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 78 إلى 82 ] أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ( 78 ) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ( 79 ) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ( 80 ) وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ( 81 ) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً ( 82 )

[ تفسير الآية 78 ]

قوله تعالى :
أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ
إذ أدلكت الشمس من قهر الجبارية ، فسجد في دلوكها لأنوار عظمة الجبار في تلك الساعة ، فأمره بسجوده والقيام بين يديه موافقة للشمس في سجودها لخالقها عند كشف عظمته ، فإنّ ذلك الوقت وقت خاصة لكشف العظمة ، وهكذا في وقت العصر ، فكأنها في وقت دلوكها في الركوع ، وفي وقت العصر في السجود إلى وقت غروبها ، فإذا غربت وجاءت غسق الليل ، ثم هناك غلبة سطوات العظمة ، فيسجد له الليل ، وتدور النجوم في سجودها إلى وقت الفجر ، فإذا طلع الفجر سجد له عمود الصبح الذي لم يكن من الليل والنهار ، وفي ذلك الوقت طلوع صبح الجمال والجلال ، وهناك يسجدون له الأرواح والأجسام لغلبة روح قدسه وأنسه عليها ، وهناك شهود الحق بوصف صفاته . ألا ترى كيف قال :
وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً
الشاهد ذاته ، والمشهود صفاته ، وهذه الأوقات تدل على الإخبار بحفظ الأوقات على السرمدية ، وحضور القلب في مشاهد الغيوب . قال بعضهم : القيام في بعض الأسحار مشهودة من صاحبه ، وشاهدة عليه .

[ تفسير الآية 79 ]

وقال الأستاذ : الصلاة بالبدن مؤقتة ، والمواصلات بالسر والقلب مسرمدة ، فإذا فرغ من حفظ أوقات الليل والنهار على حبيبه بيديه المكاشفات الصفاتية حفظ أيضا وقت كشوف جلال ذاته له بقوله :
وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً
عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 376 | أحمد فريد المزيدي / روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )